قلب الذيب

شرح فضيلة الشيخ هاني بن عبد الله بن جبير

اذهب الى الأسفل

شرح فضيلة الشيخ هاني بن عبد الله بن جبير

مُساهمة من طرف الغريب في الأربعاء مارس 28, 2012 2:51 pm

شرح فضيلة الشيخ هاني بن عبد الله بن جبير
القاضي المحكمة الكبرى

شرح كتاب التوحيد
حق العباد على العبيد

إن الحمد لله سبحانه نحمده و نستعينه و نستغفره و نتوب إليه ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ، و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلا الله و حده لا شريك له ، و أشهد أن محمداً عبده و رسوله ، صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم تسليماً كثيراً.
أما بعد
فهذه الدروس شرح لمتن كتاب التوحيد الذي ألفه الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ين سليمان التميمي رحمه الله تعالى المولود عام 1115هـ و المتوفى سنة 1206 من الهجرة النبوية . و هذا الكتاب ألفه الشيخ رحمه الله تعالى بعد ما رأى ما كان عليه الناس في زمنه فإنه قد انتشر بينهم الشرك و عبادة غير الله تعالى و كثرت بينهم المخالفات الشرعية حتى صار خالهم كحال المشركين الذين كانوا في الزمن الأول من الطواف حول القبور و اعتقاد النفع و الضر فيها ، و صرف العبادة لها ، و لما ألف الشيخ رحمه الله هذا الكتاب أقبل عليه طلابه فحفظوه و درسوه عليه ، ثم بعد وفاته رحمه الله إعتنى به طلابه من بعده فشرحوه بعدة شروح و كان أول شرح لهذا الكتاب هو كتاب تيسير العزيز الحميد و لكن مؤلفه رحمه الله الشيخ سليمان بن عبد الله توفى قبل أن يكمل الكتاب ، ثم جاء الشيخ عبد الرحمن بن حسن فألف فتح المجيد ، و توالت بعد ذلك الشروح و كان من أجمع الشروح شرح الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم المتوفى سنه 1393هـ المسمى بحاشية كتاب التوحيد ، حيث جمع كل الشروح السابقة و أضاف إليها تعليقات الشيخ محمد بن إبراهيم على كتاب التوحيد . و في هذه الدروس بإذن الله سنتناول شرح كتاب التوحيد شرحاً موجزاَ فنبين أبرز ما يشكل من معاني النصوص التي أوردها المؤلف, ثم بعد ذلك نذكر فوائد الباب أو الغرض الذي من أجله ساق المؤلف الباب .
يتميز كتاب التوحيد بأن طريقته كطريقة الحافظ البخاري في صحيحه ، و قد كان بعض من يعارض دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب و ينكر عليه و يعاديه ، كان كثيراً ما يذم هذا الشيخ فجاء بعض الموفقين من طلابه و أعطاه كتاب التوحيد بعد ما نزع غلاف الكتاب ، و قال : أريد أن تقرأ هذا الكتاب حتى تعطيني فيه رأيك ، فلما قرأ الكتاب قال : هذا الكتاب كتاب عجيب و فيه من نفس الإمام البخاري في صحيحه ، ففي كل ترجمة يذكر بعدها آيات و أحاديث ، كما كان البخاري في صحيحه يصنع ، فأخبره أن هذا الكتاب ألفه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، و بنى دعوته إلى تجديد الدين و إزالة ما علق فيه من الشوائب على هذا المنهج ، فعند ذلك أقر له بالفضل و ترك ما كان ما كان يذمه فيه سابقاً . هذا الكتاب بدأ فيه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله كتاب التوحيد و لم يذكر له مقدمه لأن الغرض من الكتاب معروف و هو بيان التوحيد و حكمه و فضله ثم بعض ما يخالفه.

كتاب التوحيد
الباب الأول
قال الله تعالى : (و ما خلقت و الجن و الإنس إلا ليعبدون) الآية.
و قوله تعالى : ( و لقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله و اجتنبوا الطاغوت)
و قوله تعالى : (و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا).الآية
و قوله تعالى : ( و اعبدوا الله و لا تشركوا به شيئاً ) الآية.
و قوله تعالى : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلا تشركوا به شيئاً ) الآيات.
قال ابن مسعود : من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه و سلم التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً ) إلى قوله تعالى : ( و أن هذا صراطي مستقيماً ) الآية.
و عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : ( كنت رديف النبي صلى الله عليه و سلم على حمارٍ فقال لي : يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد و ما حق العباد على الله ؟ قلت : الله و رسوله أعلم قال : حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، و حق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً . قلت : يا رسول الله ، أفلا أبشر الناس ؟ قال : لا تبشرهم فيتكلوا) أخرجاه في الصحيحين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
أول الكتاب يقول المؤلف كتاب التوحيد ، و التوحيد مصدر أوحد يوحد توحيداً.
و التوحيد في اللغة : جعل المتعدد واحداً ، أو جعل الشيء واحداً ، و هذا لا يتم إلا بنفي و إثبات . تنفي الحكم عن ما سوى الموحَد و تثبته للموحَد، لأن الإثبات المحض ليس فيه توحيد ، فلا ينفي الحكم عن ما سواه ، فإذا قلت مثلا : زيدً قائمً ، أثبت القيام لزيد ، و لكن لا تنفي القيام عن ما سوى زيد ، و إذا قلت : ما قام أحدً ، فأنت تنفي القيام عن الجميع ، أما إذا قلت : ما قام إلا زيدُ.نفي و إثبات ، فأنت تنفي القيام عن ما سوى زيد و تثبته لزيد. و هذا هو التوحيد ، فلا بد في التوحيد من نفي و إثبات .
التوحيد في الاصطلاح : هو إفراد الله تعالى بما يختص به. و ينقسم عند أهل العلم أقسام و هذا التقسيم تقسيم اصطلاحي فيمكن أن تقسم التوحيد إلى أقسام غير ما نذكره ، لكن أكثر من كتب في التوحيد قسم التوحيد إمَّا إلى قسمين أو إلى ثلاثة أقسام ، فابن تيميه و ابن القيم و شارخ الطحاوية ابن أبي العز الحنفي قسموا التوحيد إلى قسمين :
(1) توحيد المعرفة و الإثبات و يقصدون به توحيد الربوبية و توحيد الأسماء والصفات.
(2) توحيد القصد و الطلب ،و يقصدون به توحيد الألوهية ،( الإلهية) .
و أكثر المتأخرين يقسمون التوحيد إلى ثلاثة أقسام :
(1) توحيد الربوبية .
(2) توحيد الألوهية.
(3) توحيد الأسماء والصفات.
(1) فأما توحيد الربوبية : و هو القسم الأول فمعناه إفراد الله بالخلق و الملك و التدبير.و بعضهم يعبر عنه فيقول : إفراد الله تعالى بأفعاله. و معنى ذلك أن نفرد الله تعالى بأفعاله كالخلق و الرزق و الملك و التدبير. فنقول لا خالق إلا الله و لا رازق غيره سبحانه و تعالى و إذا قلنا لا خالق إلا الله ، فإن هذا لا يعكر عليه ما جاء في ا لنصوص من أن عيسى عليه السلام يخلق . كما قال تعالى : (و أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) و ما جاء في النصوص النبوية أنه يقال للمصورين يوم القيامة : أحيوا ما خلقتم ، فإن هذا الخلق الذي نسب إلى غير الله تعالى معناه الخلق الناقص ، الذي هو تغيير الشيء من صورة إلى صورة ، أما الخلق التام الكامل الذي هو إيجاد الشيء من العدم فهذا خاص بالله تعالى ، لا يوصف غير الله تعالى به.و كذلك التدبير فإننا نقر بأن الله تعالى هو المدبر وحده لا شريك له . و التدبير ينقسم إلى قسمين:
(1) تدبير شرعي :
(2) تدبير كوني :
فالتدبير الكوني معناه أنه يدبر الأمر سبحانه و تعالى ،فيحيي و يميت ، و يغني و يفقر و يغني و يقني سبحانه و تعالى.
و التدبير الشرعي : معناه لا يحلل و لا يحرم و لا يوجب على العباد غيره سبحانه وتعالى ، فمن خالف شيئاً من ذلك فقد نقض توحيد الربوبية.
(2) و أما توحيد الإلهية : و هو القسم الثاني، هذا القسم هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الأنبياء و بين أقوامهم. و معناه إفراد الله تعالى بالعبادة ، أو إفراد الله تعالى بأفعال المخلوقين ، فلا نصرف العبادة إلا لله سبحانه و تعالى.
(3) و أما توحيد الأسماء و الصفات: وهو القسم الثالث ، و معناه أن نفرد الله تعالى بما سمى ووصف به نفسه و بما سماه ووصفه به رسول الله صلى الله عليه و سلم . هذا هو القسم الأخير من أقسام التوحيد.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى : كتاب التوحيد و قول الله تعالى : ( و ما خلقت و الجن والإنس إلا ليعبدون ) يعني أن الله تعالى يبين الحكمة التي من أجلها خلق الجن و الإنس و عبادة الله تعالى وحده. و العبادة فسرها ابن عباد بأنها التوحيد يعني و حلقت الجن و الإنس إلا ليوحدون ، و هذا تفسير من ابن عباس إلى فرد من أفراد المعنى و هذه هي طرقة السلف في التفسير فإنهم يفسرون اللفظ بأحد معانيه فيقولون يعبدون يعني يوحدون، و إلا فالعبادة أسم أعم من ذلك ، و معناه طاعة الله تعالى التي من ضمنها توحيد الله تعالى و صرف العبادة له وحدة .
و العبادة في اللغة : مأخوذة من عَبَدَ يعني تذلل ، يقال طريق معبَّد ، يعني مذلل وطئته الأقدام.
و العبادة في الاصطلاح :فسرت بعدة تفسيرات ، فمن ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله :أن العبادة إسم جامع لكل ما يحبه الله و يرضاه من الأقوال و الأفعال الظاهرة و الباطنة . و يقول الفقهاء من الحنابلة : أن العبادة هي كل ما أُمر به شرعاً من غير اقتضاء عقلي و لا اضطرار عرفي. و معنى كلامهم أن العبادة كل ما جاء في الشرع الأمر به من غير أن يكون له اقتضاء عقلي و لا اضطرار عرفي ، يعني ليست العبادة ما جرى عليه عرف الناس أو اقتضته عقولهم. إنما العبادة هي ما أُمر به في الشرع ، فكل نص أوجب على العباد شيئاً أو أمرهم بشيء فإننا نستفيد منه أنه عبادة.. و عرفها فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى بأنها التذلل لله محبةً و تعظيماً بفعل أوامره و اجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه ، فمن تذلل لله ، فعل الأوامر و اجتنب النواهي فهذه هي العبادة و إنما ذكر التذلل و المحبة و التعظيم لأن هذه هي أركان العبادة . كما قال ابن القيم :
و عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما ركنان
فركنا العبادة : التذلل و المحبة. هذا هو تفسير محمد بن غث يمين رحمه الله تعالى للعبادة.و على كل حال فإننا نعرف العبادة : بأنها كل ما جاء في الشرع الثناء على فاعله فهي عبادة من العبادات فمن صرف شيئاً منها لغير الله فقد أشرك مع الله تعالى غيره.
و قوله تعالى : ( و لقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله و اجتنبوا الطاغوت ) ، هذا هو النص الثاني فقد ذكر المؤلف في هذا الباب عدة نصوص تفيد الغرض الذي من أجله ساق الباب، (اعبدوا الله ) على تفسير ابن عباس يعني وحدوا الله . ( و اجتنبوا الطاغوت) : الطاغوت إسم جامع لكل ما طغى و تجاوز . و فسره ابن القيم بأنه كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.
و قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا) يعني أمر تعالى ألا تعبدوا سواه,
و في قوله تعالى: (و اعبدوا الله و لا تشركوا به شيئاً ) أمر بعبادة الله وحده و نهى عن صرف العبادة لغيره.
و قوله تعالى : (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً ). بيان أن الله تعالى حرم على العباد أن يشركوا به سبحانه و تعالى.
و في قول ابن مسعود: (من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه و سلم التي عليها خاتمه ). يعنى من أراد أن ينظر إلى وصية النبي عليه الصلاة و السلام و التي وقع عليها_يعني ـ التي مات و هو يأمر المسلمين بها ، فليقرأ هذه الآيات، هذا الأثر أخرجه الترمذي و أخرجه أيضاً الطبراني عي معجمه ، سكن في إسناده يزيد ين عبد الله الأوذي وهو ضعيف، و على كل فحتى لو كان الحديث ضعيف فإن العبرة بالآيات التي وردت في آخر سورة الأنعام و هي دليل على أن الله تعالى حرم على عباده الشرك.
و في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه ، كان رديف النبي عليه الصلاة و السلام معناه أنه رديف للنبي عليه الصلاة والسلام : أي أنه راكب خلفه على هذا الحمار ، و هذا يدل على تواضع المصطفى عليه الصلاة والسلام في ركوبه و إرداف شخص خلفه.وفي قوله:( أتدري ما حق الله على العباد؟ ) يبين أن الله تعالى أوجب على العباد أن يعبدوه سبحانه و لا يعبدوا سواه ، و كافأهم على ذلك بأن لا يعذب من لا يشرك به شيئا. و هذا كله يدل على ما أراد المؤلف الوصول إليه و هو أن : التوحيد فرض عين على كل مكلف ـ و هو أول واجب على العبد ـ .
و في قوله : في آخر الحديث ( لا تبشرهم فيتكلوا ) قد يشكل على بعض الناس بأنه كتمان للعلم ، و معلوم أن كتمان العلم منهي عنه لآن الله تعالى أخذ العهد على الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس و لا يكتمونه, و الجواب على ذلك أن كتمان العلم على نوعين :
(1) كتمان تام : يعني كتمان مطلق بأن يكتم العلم و لا يبلغه لأحد ، لغير مصلحة ، و هذا هو المنهي عنه ، وهو الذي يأثم فاعله.
(2) كتمان لمصلحة و مقصد : فهنا قال : (لا تبشرهم فيتكلوا) ، فلا يبلغ الناس لئلا يُحدث هذا عندهم إتكالاً على هذا التوحيد و ربما فهماً ناقصاً له فيتركوا من ذلك العبادة. نظير ذلك ما جاء عن أبن عباس رصي الله تعالى عنه : أن رجلاً أتاه فسأله : هل للقاتل توبة ؟ فقال : (لا) . فلما انصرف تعجب أصحابه من ذلك ، فقال رأيت في عينيه الشر فخشيت إن أخبرته أن للقاتل توبة : أن يقتل شخصاً .بزعم أنه سيتوب بعد ذلك. فهذا الكتمان لمصلحة و مقصد فلا ينهى عنه..
والغرض الذي ساق المؤلف من أجله هذا الباب هو بيان حكم ا لتوحيد ، و حكم التوحيد فرض عين على كل إنسان على الجن و الإنس ، فيجب على كل إنسان أن يوحد الله تعالى . و هو أول واجب على العبد أن يوحد الله تعالى ، و أن يخصه بالعبادة و يفرده بها و هذا الواجب لا يسقط عن العبد إلا في خالتين ذكرهما أهل العلم:
الحالة الأولى حالة الإكراه : فإنه من أكره و قلبه مطمئن للإيمان فإنه يعذر في تركه للتوحيد ، هكذا يذكر بعض أهل العلم ، و فيما ذكروه نظر ، لآن الإنسان المكره إنما يعذر في ترك التوحيد ظاهراً، و لا يعذر في تركه في الباطن ، فلا بد أن يكون باطنه مصدقاً موقناً بحقيقة التوحيد و الإيمان ، لكن في الظاهر له أن يعامل الناس بما يظهر منه أنه غير مسلم ولا موحد ، و يشترط في هذا الإكراه ، , أن يكون إكراهاً مرجئاً يعني إكراه بقتل أو عقاب شديد يخشى منه على نفسه الضرر ، فعند ذلك يجوز له أن يظهر الشرك و يكون مع ذلك معفياً عنه.
الحالة الثانية حالة الجهل : يعذر في حالة الجهل بترك التوحيد ، و في هذه المسألة خلاف و نزاع بين الناس و نبين ذلك بأن نقول إن من نشأ في بادية بعيدة أو كان حديث عهد بإسلام فإنه يعذر في ما ترك من واجبات الدين حتى و لو كانت من أمور التوحيد والعقيدة ، لأنه معذور بذلك ، ففي الحديث (كنا حدثاء عهد بكفر) أو (كنا حدثاء عهد بجاهلية ) فحديث العهد الإسلام ، و كذلك الذي نشأ في بادية بعيدة ، يعذر في ما فعل، أما من لم يكن كذلك فقد اختلف فيه الناس على قولين:
القول الأول : أنه إن كان جاهلاً فإنه يعذر و لا يحكم عليه بالكفر ، و يعذر فيما ترك من توحيد و فيما فعل من شرك ، و هذا القول ، قول منتشر في هذا الزمن ، و يستدلون بذلك بقوله تعالى : (و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً).
و القول القاني : و هو الذي عليه أئمة الدعوة السلفية في نجد من عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب و تلامذته ، و هو الذي يفتي به سماحته شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى ، وعليه فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء : أن الإنسان لا يعذر بالجهل ، ما دام قد بلغه القرآن ، و هلا عن شيء يعذر به في الفهم ، كأن يكون إنسانا غير عربي و لا يمكنه أن بفهم اللسان العربي ، أما من كان بفهم القرآن فإن بلوغ القرآن له يكفي في إقامة الحجة عليه ، و يقتضي أنه لا يعذر بعد ذلك فيما فعل من شركيات ، و يستدلون لذلك بقول النبي صلى الله عليه و سلم كما في صحيحه ، في صحيح مسلم (و الذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة لا يهودياً و لا نصرانياً ثم لا يؤمنوا بالذي أرسلت به إلا دخل النار) ، و كذلك بقوله تعالى : ( و أوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) فإن من بلغه القرآن فقد أنذر، و من أنذر فقد وجب عليه أن يعمل و إلا عوقب على ترك العمل، و هذا هو القول الأقرب للصواب و إن كان القول الأول فيه تخفيف على الناس ، و لكن الظاهر من حال السلف أن القول الثاني هو الأصح والأرجح ، و النبي عليه الصلاة السلام لا شك أنه لما بعث إلى المشركين كان فيهم من لم بفهم التوحيد ، فقد أخبر الله تعالى عن حالهم بأنهم الأنعام بل هم أضل ، و مع ذلك فقد كفرهم المصطفى عليه الصلاة و السلام ، و عاملهم جميعاً بمقتضى أنهم قد فهموا كتاب الله لأنهم فهموا اللسان العربي و فهموا دعوته عليه الصلاة و السلام ، هذا مجمل الكلام في هذا الباب و نكتفي بهذا القدر و نصلي و نسلم على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين.
avatar
الغريب
Admin

عدد المساهمات : 114
نقاط : 319
تاريخ التسجيل : 23/02/2012
العمر : 43
الموقع : الرياض

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mh1398.allgoo.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع

مُساهمة من طرف الغريب في الأربعاء مارس 28, 2012 3:07 pm

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه ومن والاه و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله.
أما بعد : -
فقد سبق في اللقاء الماضي أن تناولنا أول كتاب التوحيد بالتعليق عليه، وقلنا إن المؤلف وضع أول باب لبيان حكم التوحيد، و أنه فرض عين على كل مكلف و هو أول واجب على العبيد .
و الباب الثاني من هذا الكتاب هو:
باب فضل التوحيد و ما يكفر من الذنوب
و قول الله تعالى :( و الذين آمنوا و لم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن و هم مهتدون ).
عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( من شهد أن لا إله إلا الله و حده لا شرك له , و أن محمداً عبده و رسوله و أن عيسى عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه ، و الجنة حق ، و النار حق أدخله الله الجنة على كان من العمل) أخرجاه.
و لهما من حديث عتبان : ( فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله).
و عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( قال موسى : يا رب علمني شيئاً أذكرك و أدعوك به ، قال : قل يا موسى ، لا إله إلا الله ، قال يا رب كل عبادك يقولون هذا ؟ قال : يا موسى ، لو أن السموات السبع و عامرهن غيري و ألأرضين السبع في كفة ، و لا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله ) رواه ابن حبان و الحاكم و صححه .
و للترمذي – و حسنه – عن أنس : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول قال الله تعالى : يا ابن آدم ، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)
ــــــــــــــــــــــــــ
هذا الباب الثاني عقده المؤلف رحمه الله تعالى بياناًَ لفضل التوحيد و قوله باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب )، هذا من باب عطف الخاص على العام فإن للتوحيد فضائل كثيرة ، ذكر المؤلف في هذا الباب خمسة فضائل و من ضمن هذه الفضائل أنه يكفر الذنوب . فقوله وما يكفر من الذنوب) يعني عطف لهذا الخاص الذي هو نوع من أنواع الفضائل على العام ، فإن الحسنة كلما كانت أعظم ، كان تكفيرها للذنوب أكبر و تعلمون أن الحسنات تكفر السيئات.كما قال تعالى : (إن الحسنات يذهبن السيئات) و كما فال النبي صلى الله عليه و سلم (و اتبع السيئة الحسنة تمحها ) فكلما كانت الحسنة أعظم كان تكفيرها للذنوب أكثر و لذا عطف المؤلف بهذا الخاص ، و هو تكفير الذنوب لأنه يبين فضل التوحيد يقيناً.
قال : و قوله تعالى :( و الذين آمنوا و لم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن و هم مهتدون ). يلبسوا يعني يخلطوا . معنى الآية : الذين آمنوا و لم يخلطوا إيمانهم بظلم فلهم الأمن و الإهتداء،
هذا الظلم على ثلاثة أنواع :
(1) النوع الأول الشرك : هو أعظم الظلم ، الشرك بالله تعالى ، فإن الله تعالى مستحق للعبادة فصرف العبادة لغير الله تعالى أعظم الظلم,
(2) النوع الثاني ظلم النفس : هو ظلم الإنسان لنفسه بفعله للمعاصي و ارتكابه لها .
(3) النوع الثالث ظلم الغير : فهو ظلم الإنسان لغيره باعتدائه عليه أو سلب حقه.
و قد سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم لما نزلت هذه الآية كما روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه : أن الصحابة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : أينا لم يظلم نفسه ؟ فقال بهم النبي صلى الله عليه و سلم ليس الذي تذهبون ، ألم تسمع إلى قول لقمان لابنه وهو يعظه : إن الشرك لظلم عظيم، هذا الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه يدل على أن النوع الأول من أنواع الظلم و هو الشرك بالله إذا حصل فإنه يمنع عن الإنسان الأمن و الاهتداء مطلقاً ، فمن وقع في الشرك فليس له نصيب من الأمن و لا الاهتداء فليس مهتدياً لأنه خالف أصل الإسلام و ليس آمناً لأنه في النار، كما قال تعالى : (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة و مأواه النار ) و كما قال تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء) . أما أنواع الظلم الأخرى فإنها لا تمنع الاهتداء تماماً ، ولا تمنع الأمن تماماً و لكن كلما وجد منها نصيب عند الإنسان منعت من الاهتداء و الأمن بقدر وجودها عند الإنسان ، فمن كانت معاصيه أكثر و ظلمه للناس أكثر ، كان حظه من الأمن و الهداية أقل و من كانت معاصيه أقل و ظلمه للناس أقل ، فإن حظه من الأمن و الهداية أكبر ، و أما من وجد عنده الشرك فليس له أم و لا هداية.
الأمن : هو الأمن في الدنيا ، وهي الطمأنينة النفسية كما قال تعالى: ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب)، و هو في الآخرة الأمن من دخول النار فمن لم يشرك و لم يظلم نفسه بالمعاصي الكبائر أو الإصرار على الصغائر ، و لم يظلم إخوانه ، فإنه يدخل الجنة ابتداءً و يأمن من دخول النار مطلقاً و سيأتي بيان ذلك في الباب الذي يلي هذا.
و يقول عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (من شهد أن لا إله إلا الله) ( من شهد ) الشهادة هي الإعتقاد الجازم المعبر عنه باللسان كأن من شدة يقينه بمعناها يشاهدها و ينظر إليها. يقول : (من شهد أن لا إله إلا الله) : هذه الكلمة العظيمة لا بد أن نقف معها، فمعنى لا إله إلا الله : لا : نافية للجنس. إله : إسم مبني على الفتح في محل نصب إسم لا . و معنى إله يعني مألوه ، و المألوه هو المعبود فإن تأله هو التعبد. كما قال الشاعر :
لله در الغانيات المدَّه سبحن و استرجعن من تألهي
سعني من تعبدي ، فالتأله هو التعبد. و الإله هو المعبود.
فمعنى لا إله : يعني لا معبود لأن الإله هو المعبود ، هذا هو معناه في اللغة ، لا إله . إله هذا أسم لا يعني لا معبود . لا تحتاج إلى إسم و خبر فاسمها إله و الخبر : الحبر محذوف و قد حصل ف تقدير هذا الخبر المحذوف خلاف بين الناس ، فأما أهل السنة الذين اتبعوا منهج سلف هذه الأمة و عرفوا الحق بدليله ، فإنهم لا يشكون أن الخبر المحذوف تقديره (حق) يعني لا إله حق إلا الله و يقولون إن معنى ذلك أنه توجد معبودات أخرى غير الله تعالى ، لكنها غير حق. كمال قال تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق و أن ما يدعون من دونه الباطل) و كما قال تعالى : (فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعو من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك).و هذا هو الحق كما قدمنا ،بدلالة الآية : (ذلك بأن الله هو الحق و أن ما يدعون من دونه الباطل) فيكون معنى لا إله إلا الله يعني لا معبود حق إلا الله ، فهناك معبود لكنه معبود بغير حق ، أما المعبود بحق فليس إلا الله سبحانه و تعالى ، هذا هو معنى لا إله إلا الله عند أهل السنة أما غيرهم فقد خالفوا في أمرين :
الأمر الأول : خال فوا في معنى إله ، فأهل السنة يقولون : لا إله يعني لا معبود . أما هم فيقولون : الإله مأخوذ من الألهى ؟؟؟؟ و هو الصانع ، فمعناها عندهم : لا خالق إلا الله ، و هذا المعنى غير صحيح ، و ذلك لآن النبي صلى الله عليه و سلم لما أرسله الله تعالى إلى المشركين ، و قال لهم: (قولوا لا إله إلا الله تهتدوا )، ماذا قالوا ؟ ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً ) هم كانوا مقرون بأنه لا خالق إلا الله و ليس عندهم في ذلك إشكال ، إنما الذي كانوا يخالفون فيه هو هل يعبد مع الله غيره أو لا؟ فلما قال لهم : قولوا لا إله إلا الله تهتدوا ، قالوا : أجعل الآلهة إلهاً واحداً ، فكان الخلاف فينهم في معنى العبادة فقط ، فكانوا بذلك أفهم ممن يقول : أن لا إله يعني لا خالق ، إنما معنا كما قدمنا ، لا إله يعني لا معبود بحق.
الأمر الآخر : الذي خالفوا فيه : خالفوا في تقدير الخبر المحذوف ، فلنا الخبر المحذوف في لا إله إلا الله ما هو ؟ ( حق ) يعني لا إله حق . أما عندهم فماذا قالوا ؟ قالوا لا إله موجود و قدروا الخبر محذوف تقديره (موجود) يعني أنه لا معبود موجود إلا الله ، و هذا خطأ بلا ريب ، فإنه لا شك أنه توجد معبودات كثيرة غير الله ، و أكبر دليل لذلك ، حال المشركين الذين بعث الله تعالى إليهم نبينا محمد صلى الله عليه و سلم .و كانوا في زمنه ، فإنهم كانوا يعبدون مع الله غيره ، و يصرفون العبادة لغير الله تعالى ، و هذا كافٍ في إبطال ما فهموه ، و هذه المسألة التي نقد نظن أنها من أوضح ما تكون ، و قد وقع في الخطأ فيها علماء كبار، فإن من كتب العقيدة ، بل بعضها قد يعتمد في الجامعات أو المدارس الشرعية ، تقول لا إله إلا الله يعني لا معبود موجود إلا الله و هذا خطأ ظاهر بل المعنى لا معبود حق ، أما الموجود فيوجد ، يوجد معبودات غير الله ، كما قال تعالى: ( فما أغنت عنهم آلهتهم ) يعني معبود اتهم التي كانوا يصرفون إليها العبادة ، و هذا هو معنى لا إله إلا الله .
يقول النبي صلى الله عليه و سلم (من شهد أن لا إله إلا الله و حده لا شريك له )تبين لنا من معنى لا إله إلا الله أن لها ركنان ، فبهذه الكلمة ركنين : الأول النبي ، و الثاني الإثبات :
النفي قوله: لا إله
الإثبات قوله : إلا الله
(لا إله) تنفي العبودية عن كل ما سوى الله ، و (إلا الله ) تثبت العبادة لله و حده لا شريك له ، فكما أنه وحده الخالق الرازق سبحانه فهو و حده المستحق للعبادة ، و قدمنا هذا في كلامنا عن معنى التوحيد ، قلنا إن التوحيد لا يحصل إلا بنفي و إثبات ، و إلا لم يحصل إفراد له بالحكم ، لا إله إلا الله : هذه لا تنفع صاحبها إلا بتحقيق شروط فيها، و هذه الشروط : شروط سبعة ذكرها أهل العلم و قد نظمها أهل العلم تسهيلا لحفظها ، فإن النظم يسهل الحفظ كما فال السفا ريني . فإنه يسهل الحفظ ، فالنظم لا شك يسهل الحفظ ، و لذا نظم هذه الشروط ، الشيخ حافظ حكمي بقوله في سلم الأصول هذه الشروط لا بد من حفظها يقول :
العلـم و اليقــين والقبول و الإنقياد فادري ما أقول
و الصدق و الإخلاص و المحبة وفقك الله لمــا أحبه
و قد نظمها قبله بعضهم فقال :
علم يقين و إخلاص و صدقك مع محبة وانقياد و القبول لها
هذه الشروط واضحة المعنى ،
العلم : يعني العلم بمعناها ، و معنا قلنا لا معبود حق إلا الله .
اليقين بمدلولها : بأن لا يشك الإنسان ، كما قال تعالى : ( ثم لم يرتابوا).
والقبول بمعناها : و القبول يكون باطناً يقبل بقلبه معناها .
و الإنقياد : يعني الإنقياد لما دلت عليه بجوارحه الظاهرة.
و الصدق : بأن لا يكذب في قولها.
و الإخلاص :بأن لا يكون في قولها مرائياً.
و المحبة : لما دلت عليه و لهذه الكلمة ولائها ؟؟؟؟ و هذا من معاني الولاء للمؤمنين.
يقول النبي صلى الله عليه و سلم : (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أن محمداً عبده و رسوله ) : معنى أن محمداً عبده و رسوله ، يعني الإعتقاد الجازم بأن محمد بن عبد الله أرسله الله تعالى بشيراً و نذيراً و مقتضى هذه الشهادة خمسة أمور : إذا أراد الإنسان أن يكون محققاً لمعنى شهادة أن محمداً رسول الله ، فلا بد من إتيانه بخمسة أمور:
الأول : طاعة النبي صلى الله عليه و سلم .
الثاني : تصديقه فيما أخبر به.
الثالث : إجتناب ما نهى عنه.
الرابع : ألا تتعبد الله إلا بما شرعه لك صلى الله عليه و سلم .
الخامس : ألا تصرف له شيئاً من العبادة.
فهو نبي لا يكذب ، و عبد لا يعبد، إنما هو عليه الصلاة و السلام رسول كريم مبلغ عن الله تعلى أمره و شرعه.
بقية حديث عبادة بن الصامت يقول (و أن عيسى عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه) ، عيسى بن مريم : عبد الله و رسوله ، ففي هذا رد على اليهود و النصارى ، فأما اليهود فإنهم ينكرون رسالته ، و أما النصارى فإنهم يعتقدون فيه معنى الألوهية ، و يقول:( وكلمته) ما معنى أن عيسى كلمة الله ؟ معناه : أن الله خلقه بكلمة كن ، فمعنى أنه الكلمة : يعني أنه كان بالكلمة و أُوجد بالكلمة و ليس المعنى أنه هو نفس الكلمة ،إنما المعنى أن الله خلقه بكلمته ، قال له كن فكان . (و روح منه ) يعني روح ابتدأت من الله تعالى ، خلقها الله تعالى و ما أُصيف إلى الله تعالى ، يذكر أهل العلم له قاعدة ، فيقولون :
(1) ما أُضيف إلى الله تعالى من عين قائمة بنفسها: مثل ماذا ؟ مثل ( أن عيسى روح من الله ) كما قال تعالى : ( و سحر لكم ما في السموات و الأرض جميعاً منه ) يعني من الله ، و مثل( ناقة الله و سقياها) فهذه تضاف لله ، فما معنى هذه الإضافة؟ يقول أهل العلم إن كان هذا الشيء المضاف إلى الله عين قائمة بنفسها مستقلة فتكون من باب إضافة المخلوق إلى الخالق ، فمعنى روح منه: روح مخلوقة من الله، و معنى ( و سحر لكم ما في السموات و الأرض جميعاً منه ) يعني جميعاً من خلق الله ، و معنى (ناقة الله) : يعني الناقة التي خلقها الله . و معنى (أن عيسى روح من الله ) : أي أنه مخلوق لله تعالى ، هذه معاني الإضافة كما إذا قلنا :بيت الله يعني البيت الذي أوجده الله فهذه إضافة المخلوق للخالق.
(2) أما إذا كان المضاف إلى الله تعالى معنىً يقوم بغيره متصلاً به :فهذا أيضاً من باب إضافة المخلوق إلى الخالق ، من مثل ماذا ؟ مثل ما أضفنا إلى الله تعلى روح أو علم ، نبي من أنبياء الله ، كما في هذا الحديث ، و روح منه ، فهذه الروح لا تقوم بنفسها إنما تقوم بمن ؟ بعيسى فتكون من باب أيضاً إضافة المخلوق إلى الخالق.
(3) الثالثة أن نضيف إلى الله تعالى صفةً لا تقوم بنفسها : مثل : كلام الله ،و وجه الله ،و قدرة الله ، و عزة الله ، فهذه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ، فتكون من صفات الله تعالى .
يقول ( و الجنة حق و النار حق ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ) هذا هو الثواب ، فإن فضل التوحيد قلنا أن المؤلف ذكر خمسة فضائل . الأول:ى حصول الأمن و الإهتداء . والثانية : دخول الجنة كما في هذا الحديث الذي أخرجه البخاري و مسلم .. ما معنى قوله صلى الله عليه و سلم (على ما كان من العمل؟ . معنى (على ما كان من العمل ) اختلف فيه أهل العلم على قولين :
(1) القول الأول : يعني على ما كان من عمله سواءً عمل صالحاً أو طيباً ما دام أتى بهذه الأمور فهو يدخل الجنة ، فمهما فعل من المعاصي و الذنوب فإنه يدخل الجنة ، هذا هو المعنى الأول ، على ما كان من العمل يعني مهما عمل من السيئات ، فإنه يستحق دخول الجنة لتوحيده و شهادته و إيمانه بما سبق .
(2) المعنى الثاني : أن قوله صلى الله عليه و سلم (على ما كان من العمل ) أي أن دخوله للجنة حاصل إلا أنه إن كان عمله الصالح كثيراً دخل أعلى الجنة ، و إن كان قليلاً فكان دون ذلك. ما معنى على ما كان من العمل عندهم ؟ يعنى على حسب عمله ، فالعمل الصالح يستحق عليه أعلى الجنان ، و العمل الأقل يستحق عليه دون ذلك.
يقول (أخرجاه ) يعني البخاري و مسلم في صحيحيهما .
يقول ( و لهما ) يعني البخاري و مسلم. في حديث عتبان (فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله. : و هذه الفضيلة الثالثة من فضائل التوحيد ، أن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله و عمل بمعناها ، من أين أخذنا أنه عمل بمعناها ؟ أن العرب يقولون : قال بمعنى فعل و ذلك مثل قول عمار بن ياسر كما في الصحيحين لما وصف تيمم النبي صلى الله عليه و سلم قال : (ثم قال بيديه هكذا ، و ضرب بيده الأرض ). فالقول عندهم يطلق على العمل ، فمعنى من قال لا إله إلا الله ، يعني من قاله و عمل بها ، فالقول يطلق على قول اللسان و عمل اللسان و القلب و الجوارح ، فالقول : إذا قلنا قول اللسان هذا كلام التلفظ ، و إذا قلنا : قول القلب ،فهذا الإيمان ، و إذا قلنا قول الجوارح فهذا هو الفعل ، فإذا وجدت هذه الأمور القول و العمل ، القول الذي هو التلفظ و العمل و الإيمان ، تحقق فيه هذا الشرط . و (حرمه الله على النار )، القول نقول ينطبق على تلفظ اللسان و عمل الجوارح و إيمان القلب . و استشهدنا بذلك بقول عمار حيث قال : (ثم قال بيديه هكذا ) يعنى فعل.
يقول: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (أن موسى قال: يا رب علمني شيئاً أذكرك و أدعوك به ، قال : يا موسى قل لا إله إلا الله قال : يا رب كل عبادك يقولون هذا ، قال : يا موسى لو أن السموات السبع و عامرهن يعني من يقيم فيها و يسكنها ، غيري فإن الله تعالى هو الذي تعبدنا بهذه الكلمة و ألأرضين السع في كفة و لا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله ).
هذه الفضيلة الرابعة ، و هي أن لا إله إلا الله ترجح بميزان قائلها ، هذا الحديث يقول المؤلف أخرجه ابن حبان و الحاكم صححه ، و الحقيقة أن في إسناده دراج ، رواه عن أبي الهيثم ، دراج بن سمعان أبو السمح ، و هو ضعيف و لقد رواه عن أبي الهيثم و هو أيضاً إذا روه عنه كان في روايته ضعفاً أشد ، فهذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف ، و لكن يدل على معناه عدة أحاديث منها الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده ، عن أبي ذر ، أن نواحاً عليه السلام لما حضرته الوفاة جمع بنيه و أوصاهم أن يقولوا لا إله إلا الله ، قال : فإنها لو وزنت بالسماوات و الأرض لرجحت بهن ، إلا أن فيه الصقعب ، و هو أيضاً ضعيف ،و لكن معنى رجحان حسنة لا إله إلا الله معنى صحيح، . فقد روى الترمذي و الحاكم و صححه ، و وافقه الذهبي ، أن رجلاً يأتي يوم القيامة ينشر له تسعة و تسعون سجلاً كلها سيئات ، فينظر إليها كل سجل مد البصر ، فيقول له الله : أظلمك كتبتي ؟ فيقول : لا . فيقول : ألك حسنة ؟ قال فيهاب و يقول : لا فيقال : بلى إنك لا تظلم ، فيؤتى ببطاقة قد كتبت عليه لا إله إلا الله فيقول : و ما تفعل هذه البطاقة مع هذه السجلات ، فيقال : إنك لا تظلم ، فتوضع في كفة الميزان الأخرى فترجح بهن و هذا الحديث يسمى حديث البطاقة و هو حديث صحصح. و على كلٍ نعلم أن من فضائل التوحيد أنه يرجح ميزان صاحبه.
الحديث الأخير و للترمذي و حسنه و هو كما قال المؤلف حديث حسن و للترمذي و حسنه عن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ( قال الله تعالى : يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض ( يقال قُراب – و قِراب ) بالضم و الكسر و المعنى ملئ الأرض أو قرابة ملئها ، يعنى إذا أتيتني بملئ الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة. و هذا يدل على الفضيلة الخامسة من فضائل التوحيد ، و هو أنه يكفر الذنوب و المعاصي ، و هذا يأتي له مزيد بيان في الباب الذي يلي هذا ، وهو باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب.


عدل سابقا من قبل الغريب في الأربعاء مارس 28, 2012 3:47 pm عدل 1 مرات
avatar
الغريب
Admin

عدد المساهمات : 114
نقاط : 319
تاريخ التسجيل : 23/02/2012
العمر : 43
الموقع : الرياض

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mh1398.allgoo.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

باب الخوق من الشرك

مُساهمة من طرف الغريب في الأربعاء مارس 28, 2012 3:12 pm


باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب

و قولا لله تعالى ( إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً و لم يك من المشركين ) .
و قول الله تعالى ( و الذين هم بربهم لا يشركون ) .
عن حصين بن عبد الرحمن قال : ( كنت عند سعيد بن جبير فقال : أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت : أن ، ثم قلت : أما إني لم أكن في صلاةٍ و لكني لدغت ، قال : فما صنعت ؟ قلت : ارتقيت . قال : فما حملك على ذلك ؟ قلت : حديث حدثناه الشعبي ، قال : و ما حدثكم؟ قلت : حدثنا عن بريدة بن الخُصيب أنه قال : لا رقية إلا من عينٍ أو حُمَةٍ .قال : قد احسن من انتهى إلى ما سمع ، و لكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : عرضت على الأمم فرأيت النبي و معه الرهط و النبي و معه الرجل و الرجلان و النبي و ليس معه أحد ، إذ رُفع لي سوادٌ عظيم فظننت أنهم أُمتي فقيل لي : هذا موسى و قومه ، فنظرت فإذا سوادٌ عظيمٌ ، فقيل لي : هذه أمتك و معهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب و لا عذاب ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك ، فقال بعضهم : فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و قال بعضهم : فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً ، و ذكروا أشياء ، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبروه ، فقال هو الذين لا يسترقون و لا يكتوون ولا يتطيرون و على ربهم يتوكلون . فقام عكَّاشة بن مِحْصَن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم ، قال : أنت منهم .ثم قال رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم قال : سبقك بها عُكَّاشة . أخرجاه في الصحيحين.
ـــــــــــــــــــــــــ
هذا الباب يقول باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب و معنى حقق التوحيد يعني خلصه و نقاه ، و معنى تحقيق التوحيد ، معناه تصفية عقيدة الإنسان و توحيده ، و يتم ذلك بترك الشرك الأكبر و الشرك الأصغر ، و البدع ، والمعاصي، و هذا هو التحقيق الواجب، فإن تحقيق التوحيد على قسمين :
(1) تحقيق واجب .
(2) تحقيق مستحب.
(1) التحقيق الواجب : هو أن يترك الإنسان الشرك بقسميه الأكبر و الأصغر و يترك البدع و يترك المعاصي و الكبائر.
(2) أما التحقيق المستحب : فهو أن يصفي الإنسان قلبه و يرتفع به عن التعلق بالمخلوقين أو المذلة لهم ، أو طلب شئ منهم و هذا معنى أعظم فمن حقق هذا التوحيد بعنني أنه لا يكون في قلبه إلا الله سبحانه و تعالى ، ف ليس عنده أولاً شرك و هو صرف للعبادة لغير الله ، و لا بدع و لا معاصي ، ثم أيضاً ارتفع عن التذلل للمخلوقين و سؤالهم و طلب شئ منهم ، فهذا حقق التوحيد بنوعيه الواجب و المستحب. وهذا يدخل الجنة بغير حساب و لا عذاب. فنعرف من هذا أنه ليس معنى تحقيق التوحيد ، انه مجرد ترك الشرك و ألا نعبد إلا الله ، أو لا يصرف العبادة إلا الله ، إنما المعنى أكبر من ذلك , لذا كان للتوحيد فضل ، و تكفير للذنوب و لكن تحقيقه أسمى , أكبر و أعظم .
يقول من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب و قول الله تعالى (إن إبراهيم كان أمة ) أمة يعني قدوة ، إمام يقتدى به، قانتا : يعني مداوماً على الطاعة ، فالقنوت هو طول العبادة. حنيفاً : الحنيف هو المائل ، يعني مائلاً عن الشرك مبتعداً عنه. و إنما ذكرت هذه الآية لبيان أن إبراهيم عليه السلام و قد أمرنا الله بالإقتداء به ، كما قال تعالى : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) و كما قال تعالى : (قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم ) و قد كان إبراهيم مداوماً للعبادة ، قدوة في ذلك ، و ليس عنه شرك بل كان مائلاً عن الشرك و هذا هو معنى تحقيق التوحيد.
و قول الله تعالى : (و الذين هم بربهم لا يشركون) و هذا ثناء على من لا يقع في الشرك ، فإن الآيات في سورة المؤمنين ذكرت في بيان فضائل منها :( أنهم بربهم لا يشركون).
و في حديث حصين بن عبد الرحمن : حصين تابعي و سعيد بن جبير أيضاً تابعي ، حصين بن عبد الرحمن يقول كنت عند سعيد بن جبير فقال : أيكم رأي الكوكب الذي انقض البارحة ( يعني سقط)؟ فقلت : ثم قلت : أما إني لم أكن في صلاة ، إنما ذكر هذا ليبعد عن نفسه الرياء لأجل أن لا يظن أنه كان يصلي أو كان في عبادة ، ثم قال : و لكني لدغت : يعني لدغني شئ من ذوات السموم فقال له : فما صنعت ؟ قال : ارتقيت ، يعني طلبت من يرقيني و يقرأ عليَّ الرقية – سيأتي باب مستقل في الرقى و التمائم – قال : فما حملك على ذلك ؟ يعني ما دليلك ؟قال : حديث حدثناه الشعبي ، قال و ما حدثكم ؟ قال : حدثنا عن بريدة بن الحصيب – و هو صحابي - لا رقية إلا من عين – يعني الحسد - أو حمة : الحم هي إصابة ذوات السم ، يعني اللدغة إذا لدغ من ذات السم .فإنه يقول بريدة : لا رقية إلا منها معنى لا رقية لا رقية إلا منها يعنى أكثر ما تنفع الرقى في العين و في إصابات ذوات السموم في اللدغات ، أكثر ما تنفع الرقية و القراءة على المريض في هذين الأمرين هذا معنى قول بريدة. .
قال : و لكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (عرضت على الأمم) ابن حجر يقول إن هذا للعرض كال في حال المنام ، يعني رآها في منامه.
( و لكن حدثني ابن عباس ‘ن النبي صلى الله عليه و سلم قال : عرضت على الأمم ، فرأيت النبي و معه الرهط و النبي و معه الرجل و الرجلان 000 إلى أن قال : و معهم سبعون ألفاً – هؤلاء السبعون ألف جاء في بعض الروايات مع كل ألفٍ سبعون ألفاً و في رواية أخرى مع كل واحدٍ سبعون ألفاً . و في قول الصحابة فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه و سلم ، أو لعلهم الذين ولدوا في الإسلام يدل على أن الصحابة كانوا يعتقدون أنه لا تحصل فضيلة إلا بعمل ، فلا تحصل فضيلة هكذا من غير عمل بل لا بد من العمل حتى تحصل الفضائل ، فأخبرهم النبي صلى الله عليه و سلم أن هذا الفضل للذين (لا يسترقون )– يغني لا يطلبون من الناس أن يقرءوا عليهم لأنهم من شدة توكلهم على الله تعالى لن تتعلق قلوبهم بغير الله ، فطلب الرقية من الناس ليس عندهم لا يقل لأحدٍ اقرأ علي أو أرقني، (لا يسترقون و لا يكتوون ): يعني لا يطلبون من أحدٍ أن يكويهم : يستعمل معهم الكي ،و الكي كما تعلمون نوع من أنواع العلاج ،( ولا يتطيرون )يعني لا يتشاءمون ، قد كانت الطيرة والتشاؤم منتشرة في الجاهلية ، سيأتي لها باب مستقل إن شاء الله .
يقول ( على ربهم يتوكلون ) ، فإنهم لما حققوا التوكل على الله تعالى تمام التحقيق حصل لهم أنهم لا يطلبون من الناس الرقية و لا يطلبوا منهم أن يكتووا ، أو أن يكووهم كما أنهم لا يتطيرون و لا يتشاءمون ، بل إذا رأوا ما يتشاءم به الناس توكلوا على الله و مضوا ، و سيأتي للتوكل و الرقية و الطيرة أبواب مستقلة. و كن المراد إن هؤلاء إنما حصل لهم ذلك من شدة تعلقهم بالله ، أما لو رقي رجلٌ رجلاً آخر فإنه لا يشمله هذا المعنى. فإن النبي صلى الله عليه و سلم رقته عائشة ، و رقاه جبريل عليه السلام و قرأ عليه ، فإذا قُرِئَ على إنسان من غير طلب فإنه لا يكون مخلاً لهذا الحديث.
قال : (فقام عكاشة بن محصن الأسدي صحابي – قام فقال للنبي عليه الصلاة و السلام أدعو الله أن يجعلني منهم ، فقال أنت منهم) فقد صدقت دعوة النبي صلى الله عليه و سلم و حصلت فإنه بقي على إسلامه و قاتل المرتدين و قتل شهيداً ، قتله طلحة بن خويلد الأسدي . (فقام رجل آخر فقال: أدعو الله أن يجعلني منهم ، قال سبقك بها عكاشة. سداً للباب : قيل إنه كان منافق هذا الرجل و قيل سداً للباب لأن لا يقوم منافق فيطلب من النبي صلى الله عليه و سلم الدعاء له، هذا الحديث أخرجه البخاري و مسلم .
و قلنا يدل على أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ، و تحقيق التوحيد معناً زائد على العضل الذي ذكر في الباب الذي قبله، فإن معنى تحقيق التوحيد هو : أن يكون عند الإنسان من زيادة التعلق بالله تعالى و عدم المذلة لغيره ،ما هو أبلغ من مجرد حصول التوحيد الذي هو عدم صرف العبادة لغير الله تعالى ، هذا المزيد تحقيق له . هذا مجمل الكلام على هذين البابين الذين ذكرهما المؤلف بيان فضل التوحيد و جزاء أصحابه. و نختتم بذلك درسنا و نصلى و نسلم على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين.

بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه ومن والاه ، و أشهد أن لا إله إلا الله و حده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله.
أما بعد : -
قال المؤلف رحمه الله

باب الخوف من الشرك
و قوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ).
و قال الخليل عليه السلام : ( و اجنبني و بنيَّ أن تعبد الأصنام).
و في الحديث (أخوف ما أخاف عليكم الشرك ا لأصغر فسئل عنه ؟ قال: الرياء) .
و عن ابن مسعود رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار) رواه البخاري.
و لمسلم عن جابر رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( من لقي الله لا يشرك به شيئاُ دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار)
ــــــــــــــــــــــــــ
هذا الباب عقده المؤلف رحمه الله لبيان خطر الشرك ، و ذكر فيه أموراً توضح هذا ، قال باب الخوف من الشرك، الشرك عند أهل العلم : هو مساواة عير الله بالله فيما هو من خصائص الله . و بعضهم يقول : الشرك أن تجعل لله نداً في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه و صفاته. و المعنى قريب لكن المعنى الأول أوضح ، مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله. و الشرك يكون في الربوبية و يكون في الألوهية و يكون في الأسماء و لصفات. و قد سبق أن التوحيد ثلاثة أقسام : توحيد الربوبية و توحيد الإلهية و توحيد الأسماء والصفات . و الشرك كذلك يقع في هذه الثلاثة.
فأما الربوبية : فيكون الشرك فيها بان يعتقد العبد أن غير الله يخلق أو يرزق ، أو يشفي المرضى ، أو يدبر الأمور فإذا اعتقد أن غير الله تعالى بفعل شيئاً من الأشياء المختصة بالله تعالى في ربوبيته ، فهو مشرك في الربوبية، و هذا الشرك في الربوبية لم يقع من المشركين في الزمن الأول ، و إنما اختص به المشركون في الزمن الأخير ، فيوجد في العصور المتأخرة من يعتقد أن بعض الأولياء و الموتى و أصحاب القبور يستطيعون أن يغيثوا الملهوف و ينجدوا المستنجد ، و يشفوا المرضى ، و يرزقوا من لا يلد الولد، و يرزقوا الفقير فيغنوه إلى غير ذلك من الإعتقادات ،و هذه كلها من خصائص الله ، و المشركون لم يكونوا يعتقدون هذا في أصنامهم ، ما كانوا يعتقدون أنه الأصنام و الأوثان التي يعبدونها ،ما كانوا يعتقدون أنها ترزق و لا تخلق و لا تنجد.و لذا قال الله تعالى وصفاً لحالهم : ( فإذا ركبوا في الفلك ) يعني في السفن في البحر ( دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) أي لما وصلوا إلى البر و اطمأنوا أشركوا مع الله غيره ،و لما كانوا في الفلك علموا أن لا ينجيهم إلا الله ، و النبي صلى الله عليه و سلم قال لحصين : يا حصين كم تعبد؟ قال : سبعة ، ستة في الأرض و واحد في السماء. قال:فمن تجعل لرغبك و رهبك ؟ إذا أردت شيء أو حقت من شيء من تدعوا؟ قال : الذي في السماء . قال : يا حصين أسلم ، فأسلم رضي الله تعالى عنه . فحتى المشركون كانوا يعلمون أنه لا ينجي و لا ينفع و لا يضر إلا الله ، لكنهم كانوا يصرفون شيء من العبادة لغير الله ، يطوفون أو ينذرون أو يذبحون لغير الله فقط ، أما في هذا الزمن فإذا قرأت تراجم الصوفية تجد أنهم يقولون : كان يحيي الموتى ، و كان يرزق المرأة التي لا تلد بالولد ، و إلى آخر هذه الخزعبلات التي لا يصدقها عقل ، و هي أقبح من شرك المشركين الأولين.
و قد يكون الشرك في الألوهية بأن يصرف العبد شيئاً من أنواع العبادة لغير الله ، كما قد يكون الشرك في الأسماء و الصفات، و ذلك بأن يسمي غير الله بإسم هو من خصائص الله أو يصف غير الله بصفة من الصفات الخاصة بالله عز و جل.
و الشرك ينقسم إلى أقسام:
(1) القسم الأول هو الشرك الأكبر : و الشرك الأكبر يسميه بعض العلماء الشرك الظاهر ، بعضهم يسميه الشرك الجلي ، و المعنى واحد لكن المهم للطالب أن يعرف تنوع الأسماء للمسمى الواحد، فإذا قرأ في كتب أهل العلم لا يستغرب ، فالشرك الأكبر سماه ابن القيم الشرك الظاهر ، و يسميه بعضهم الشرك الجلي ، و تعريف هذا القسم و هو الشرك الأكبر : أنه ما جاء في النصوص تسميته شركاً و كان متضمناً لخروج الإنسان عن دينه . و كل ما جاء في النصوص أنه شرك و تضمن خروج الإنسان عن دينه فهو الشرك الأكبر. و مثال ذلك صرف العبادات لغير الله فمن نذر لغير الله أو سجد لغير الله أو طاف على شئ بقصد العبادة فهو واقع في الشرك الأكبر، و ربما لن يستطيع الطالب أن يحيط بمعناه و يدركه إدراكاً تاماً إلا بدراسة هذا الكتاب ، فإذا درس الكتاب كله وجد عنده تمييز للفرق بين النوعين .
(2) القسم الثاني هو الشرك الأصغر : قال بعض أهل العلم في تفسيره و شرحه و تعريفه : هو ما جاء في النصوص تسميته شركاً و لم يبلغ حد العبادة ، لم يبلغ أن يصل أن يصل إلى حد العبادة. مثل قول النبي عليه الصلاة و السلام : (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) فإن في هذا الحديث تسمية من حلف بغير الله بأنه مشرك ، و الحلف بغير الله مجرد الحلف ليس عبادة ، فهذا يكون من باب الشرك الأصغر ،و قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله في تفسيره للشرك الأصغر قال : هو كل عمل قولي أو فعلي وسيلة إلى الشرك الأكبر . فكل عمل وسيلة إلى الشرك الأكبر فهو شرك أصغر، فمن وسائل الشرك الأكبر ماذا؟ الرياء من وسائل الشرك الأكبر ، تعظيم المقبورين و الغلو في الصالحين، فإن الغلو فيهم و تعظيمهم وسيلة إلى الشرك الأكبر. اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى عرفت الشرك الأصغر بتعريف يجمع التعريفين السابقين فقالت في تعريفه : هو كل فعل نهى الله تعالى عنه و كان وسيلة إلى الشرك الأكبر و جاء في النصوص تسميته شركاً. فجمعوا بين أنهه سمي في النصوص بالشرك و بين أنه وسيلة و ذريعة إلى الشرك الأكبر ، هذا هو تعريف اللجنة الدائمة للإفتاء ، على كلٍ إذا درس الإنسان هذا الكتاب فسيتبين له العرق الدقيق بين النوعين.
(3) القسم الثالث و هو الشرك الخفي : يذكره بعض أهل العلم و هو الشرك الخفي فيجعلونه قسماً ثالثاً و يجعلون الشرك ثلاثة أقسام (1) شرك أكبر (2) شرك أصغر (3) شرك خفي. مع أن ابن القيم رحمه الله تعالى جعل الشرك الأصغر يسمى بالشرك الخفي ، فجعل الشرك الأصغر هو الخفي. و الحقيقة أن هذا القول تؤيده الأدلة لأن النبي صلى الله عليه و سلم كما في الحديث الذي بين أيدينا قال : (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي، فسئل عنه ؟ قال : الرياء )، فالرياء سماه ماذا ؟ شرك أصغر مع أنه ورد أيضاً في مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي ، يقوم الرجل
avatar
الغريب
Admin

عدد المساهمات : 114
نقاط : 319
تاريخ التسجيل : 23/02/2012
العمر : 43
الموقع : الرياض

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mh1398.allgoo.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع

مُساهمة من طرف الغريب في الأربعاء مارس 28, 2012 3:14 pm

(1) فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه ) و هذا ما هو ؟ هذا الرياء . فيدل على أن الرياء شرك أصغر و شرك خفي و أن ا لمعنى واحد ، لكن الشرك سمي خفياً باعتبار أن الشرك الأكبر أظهر منه ، و سمي أصغراً باعتبار أن الشرك الذي هو صرف العبادة لغير الله أكبر منه. أم الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ، فيرى أن الشرك الخفي يحصل في الشرك الأكبر و الأصغر، و كلامه رائع جميل : فإن الشرك الأكبر منه ما هو خفي و منه ما هو ظاهر ، الشرك الأكبر قد يكون ظاهراً مثل صرف العبادة لغير الله مثل صرف الطواف و السجود لغير الله ، هذا ظاهر، و قد يكون الشرك الأكبر خفي مثل شرك المنافقين ، فالمنافقون مشركون ، لكن شركهم خفي .و قد يكون الشرك الأصغر طاراً مثل الخلف بغير الله فالحلف بغير الله شرك أصغر ظاهر، و قد يكون الشرك الأصغر خفي مثل ماذا ؟ مثل الرياء. هذا الكلام مجمل و إلا أن تفصيله يحتاج إلى تدقيق و وقفات ، فالرياء قد يكون شرك أكبر و حلف بغير الله قد يكون شرك أكبر و كلن هذا من حيث الجملة.
الشرك الأكبر له أنواع :
(1) النوع الأول شرك الدعاء : ما معنى شرك الدعاء ؟ يعني صرف الدعاء لغير الله مثل من ندعو غير الله .
(2) النوع الثاني شرك القصد و الإرادة و النية : و ذلك بأن يقصد غير الله تعالى ؟؟؟؟؟؟ قلنا الشرك الأكبر له أنواع و ذكرنا منها شرك النية ، مع أنا قلنا أن الرياء يكون شرك أصغر و قد يكون شرك أكبر ، كيف ؟ يكون شرك أكبر إذا كان الرياء في أصل الإيمان ، إنسان ما أسلم و ما دخل في الإسلام إلا رياءً ، و قد يكون أيضاً شركاً أكبر إذا كان في جميع الأعمال الصالحة التي بفعلها الإنسان يفعلها وهو مرائي.هذا شرك أكبر ، و قد يكون أصغر إذا وقع في العمل المعين أو في بعض الأعمال فإذا وقع فيها الرياء كان هذا الرياء شرك أصغر
(3) النوع الثالث شرك الطاعة : و قد عقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب باباً في هذا الكتاب ، فقال : باب من أطاع الأمراء و العلماء في معصية الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله و له تفصيل سيأتي.
(4) النوع الرابع شرك المحبة : كما قال تعالى : (و من الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله و الذين آمنوا أشد حباً لله.. الآية). فهذا يصرف المحبة لغير الله و كل هذا سيأتي تفصيله بإذن الله تعالى . هذه الأنواع جمعها الناظم في بيتين من الشعر ، و قلنا أن الشر يسهل الحفظ ، يقول الناظم : و منه – يعني الشرك الأكبر ـ
و منه شرك دعوةٍ و قصدِ كذاك طاعةٌ لظلمِ الْعبد
و مثله الإفراط في المحبـة فأربعٌ ترديـك للمذمة
يعني أن هذه الأربعة هي أنواع الشرك الأكبر .
و ابن القيم سمى الشرك الأكبر بالشرك الظاهر و لذلك قال في نونيته :
فالشٍّرك فاحْذره فشركٌ ظاهرً ذا القسم ليس بقابل الغفران
وهو اتخاذ الند للرحمن ايا كان من حجــر من إنسـان
يدعوه أو يرجوه ثم يخافــه و يحيه كمحبـة الديــان

يقول المؤلف رحمه الله : باب الخوف من الشرك : و قوله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ). هذه الآية تدل على أن المشرك لا يغفر الله تعالى له ، و شيخ الإسلام ابن تيميه اختار أن هذا الشرك يدخل فيه الشرك الأكبر و الأصغر ـ فصاحب الشرك الأكبر و الشرك الأصغر لا يغفر الله تعالى له شركه و يغفر ما دون الشرك.
أم ابن القيم فكما قدمنا في النونية يقول هذه الآية خاصة بالشرك الأكبر ، الذي هو صرف العبادة ـ كما أسلفنا ـ لغير الله ، أما الشرك الأصغر فعنده أنه من جملة الذنوب التي يغفرها الله تعالى أن شاء لعبده. و على كل حال فهذا يدلنا على خطر الشرك و يوجب الخوف منه و هو مراد المؤلف ، المؤلف أراد أن يبين لنا خطر الشرك لنخاف منه.
قال المؤلف : و قال الخليل من هو الخليل ؟ الخليل إبراهيم عليه السلام قال : ( و اجنبني و بني أن نعبد الأصنام) . أجنبني : يعني أبعدني و حنبني و بنيَّ : يعني و ذريتي ، أن نعبد الأصنام.فإذا كان إبراهيم عليه السلام الذي كسر الأصنام و حطمها خاف على نفسه و ذريته من الأصنام و دعا الله تعالى أن يجنبه الأصنام فنحن مع ضعف إيماننا أحق بأن نخاف ليس من الشرك الأصغر بل حتى من الشرك الأكبر. و قوله تعالى: (و اجنبني و بنيَّ أن نعبد الأصنام) الأصنام : كل ما عبد من دون الله مما كان له صورة ، فإذا صور شخص إنساناً أو طيراً - جعله على صورة – و عبده من دون الله فهذا صنم. أما الوثن: فهذا ما عبد من دون الله و ليس على صور. و لذا قال النبي صلى الله عليه و سلم لعدي بن حاتم الطائي لما رآه معلقاً صليباً – كان يعلق صليباً لأنه كان نصراني- قال : (ألق عنك هذا الوثن ) فسمى الصليب وثناً لأنه يعظم و يعبد من دون الله و ليس على صورة.
قال : و في الحديث : هذا الحديث لم يخرجه المؤلف و هو حديث حسن أخرجه الإمام أحمد و الطبراني و غيرهما من حديث محمود بن لبيد وهو صحابي أدرك النبي صلى الله عليه و سلم وهو صغير ، هذا الحديث حديث حسن ، حسنه الحافظ بن حجر و قال الهيثمي عنه رجاله رجال الصحيح و صححه الألباني رحمه الله.
يقول : (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) و في هذا الحديث شاهد للباب ، و هو أن النبي عليه الصلاة و السلام خاف على أمته من الشرك الأصغر ولما سئل عن الشرك الأصغر ؟ قال: الرياء,
والرياء هو : أ، يفعل العبد عملاً يقصد منه أن يراه الناس و هذا هو الرياء. أما التسميع : فهو أن يعمل عملاً يقصد أن يسمع به الناس، فيسمى الأول رياءً و يسمى الثاني سمعة . نسأل الله تعالى أن يلطف بنا و يجنبنا الرياء و السمعة و أن يخلص أعمالنا لله. و الرياء خافه النبي صلى الله عليه و سلم على أمته لنه يفسد الأعمال و يحبطها. فقد قال اله عز و جل في الحديث القدسي : (أنا أغنى الشركان عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته و شركه) ، و الرياء سيأتي له باب مستقل في هذا الكتاب.
يقول : و عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( من مات و هو يدعو من دون لله نداً دخل النار ) هذا الحديث أخرجه البخاري و هو يدل على خطر الشرك ، فإن صاحبه متوعد بالنار..
يقول : و لمسلم عن جابر : أ، النبي صلى الله عليه و سلم قال : (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة من لقيه يشرك به شيئاً دخل ا لنار). طبعاً دخول النار في الحديثين إن كان دعاؤه الند و إشراكه بالله شرك أكبر فهذا دخول خلود ، و إن كان شركه شراً أصغر و دعاؤه الند من قبيل الشرك الأصغر فدخوله ليس دخول خلود إنما دخول تعذيب.
بقي علينا أن نعرف الفرق بين الشرك الأكبر و الأصغر:
(1) الشرك الأكبر يوجب الخلود في النار ، بخلاف الأصغر.
(2) الشرك الأكبر يخرج الإنسان من الإسلام. فإذا رأيت هذا الرجل الذي يدعو غير الله نعلم أنه قد خرج من الإسلام. و سبق معنا في الدرس الأول الحالات التي يعذر فيها الإنسان بترك التوحيد ، وهي الجهل و ذكرنا شروطه ، و متى ينتفي ، تقوم عليه الحجة ، و ذكرنا أيضاً الإكراه ، فإن المكره معفياً عنه لآية سورة النحل و قد سبق هذا.
(3) أن الشرك الأكبر فيه صرف عبادة لغير الله أما الشرك الأصغر فليس فيه صرف عبادة لغير الله
(4) أن الشرك الأصغر أقل من الشرك الأكبر ، الشرك الأكبر أعظم من الأصغر.
هذا مجمل ما في الباب ، قد مر في الباب أربعة أمور تحذر و تخيف من الشرك ، وهو مراد المؤلف.

باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله
و قوله تعالى : ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة 00) الآية.
و عن ابن عباس رصي الله عنهما : ( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله – و في رواية : إلى أن يوحدوا الله – فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم و ليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض لعيهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك و كرائم أموالهم ، و اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها و بين الله حجاب ) أخرجاه.
و لهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يوم خيبر : لأعطين الراية عداً رجلاً يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله ، يفتح الله على يديه ، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها ، فلما أصبحوا عدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كلهم يرجو أن يعطاها ، فقال : أين علي بن أبي طالب ؟ فقيل : هو يشتكي عينيه ، فأرسلوا إليه فأتي به ، فبصق في عينيه و دعا له ، فبرأ كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية ، فقال : أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، و أخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه ، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمْر النعم).
ـــــــــــــــــــــــــــ
هذا ما ذكره المؤلف في هذا الباب ، و في هذا الباب ترتيبه مع الأبواب السابقة غية في الإتقان فإنه ذكر في الأبواب الأولى حكم التوحيد و أنه واجب ، و فضله ، و فضل من حقق التوحيد ثم ذكر بعد ذلك خطر الشرك و الخوف منه ، ثم بعد ذلك بين وجوب الدعوة إليه ، و هذا هو سبيل المؤمنين، كما قال تعالى في سورة العصر : )و العصر إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر.). فوصفهم الله تعالى ، جعل الله تعالى كل إنسان في خسارة ، كل إنسان خاسر ، إلا من آمن و عمل صالحاً و دعا غيره إلى الحق.
يقول المؤلف باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، يبين في هذا الباب حكم الدعوة إلى التوحيد، و حكم الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله و حكم ذلك أنه واجب ، فيجب على الإنسان أن يدعو إلى التوحيد ، و يحذر من الشرك ، و هذا هو أعظم مقصود في دعوة الأنبياء و الرسل ، فإنهم بعثوا لتحذير أممهم من الشرك و لأمرهم بتوحيد الله تعالى و الإخلاص له ، إلا في حالة واحدة تكون فيه الدعوة إلى التوحيد مندوبه غير واجبة يذكرها أهل العلم و هذه الحالة هي إذا ما غزا المسلمون الكفار و قد كان الكفار بلغتهم الدعوة ، الآن لو حصل قتال بين المسلمين و الكفار و كان الكفار قد بلغتهم الدعوة إلى الإسلام ، و غرفوا أن المسلون يريدون منهم الإسلام فهل يجب عليهم قبل القتال أن يدعوهم إلى التوحيد؟ لا يجب عليهم لكنه يستحب. و دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم أغار على بين المصطلق وهم غارون (يعني و هم غافلون ) ، ما نبههم ، ما قال بهم أنا سأغزوكم ، أسلموا لماذا ؟ لأنه قد بلغتهم الدعوة إلى الإسلام ، قلا يجب على الإمام أن يدعوهم إلى التوحيد قبل غزوهم ، أما في غير هذه الحالة فيجب على المسلم أن يدعو إلى التوحيد.
يقول المؤلف رحمه الله : و قول الله تعالى : ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني ) في هذه الكلمة قولان للمفسرين :
(1) القول الأول : أنا أدعو إلى الله و أتباعي و من تبعني يدعو إلى الله ، و هذا يدل على أن الدعوة هي طريقة الأنبياء و طريقة من تبعهم.
(2) القول الآخر : أن المعنى أنا ومن اتبعني على بصيرة فيكون المراد فيها البصيرة المذكورة فيل.
ثم ذكر المؤلف بعد هذه الآية حديث ابن عباس و فيه أن النبي صلى الله عليه و سلم بعث معاذاً إلى اليمن . و النبي عليه الصلاة و السلام بعث معاذاً و أبا موسى الأشعري ، فبعث معاذاً إلى صنعاء و ما حولها ، و بعث أبا موسى إلى حضرموت و ما حولها ، و اختلف في صفة إرسال معاذ ، قيل أرسله قاضياً و قيل والياً و قيل داعياً المهم من ذلك أن النبي عليه الصلاة و السلام لما أرسله قال له (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب ) يعني ستأتي إلى قوم ليسوا من المشركين إنما من أهل الكتاب ، و أهل الكتاب هم اليهود و النصارى ، فإذا أتيت لهم فاستعد للمناظرة و الدعوة ، فإن عندهم كتاب يرون أنهم على أثارة من علم، و ليسوا مثل المشركين الذين لم يكن عندهم كتاب و حجة ، وهذا يبين أهمية استعداد الداعية قبل الدعوة إلى الله .
قال : (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ) و هذا يدل على حكم مهم و هو مسألة من أعظم مسائل الخلاف في أمور الإعتقاد ، و خب مسألة أول واجب على المكلف ، فما هو أول واجب على المكلف ؟ أول واجب على الإنسان ما هو؟ شهادة أن لا إله إلا الله ، أن يوحد الله هذا أول واجب على المكل ف ، و هذا واضح من هذا الحديث ، هذا هو قول أهل السنة و هو قول المصطفى عليه الصلاة و السلام ، و هو قول معاذ و صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، أما عيرهم فيقولون أول واجب النظر ، ما معنى النظر؟ يعني التفكير و التأمل في الأدلة، و
avatar
الغريب
Admin

عدد المساهمات : 114
نقاط : 319
تاريخ التسجيل : 23/02/2012
العمر : 43
الموقع : الرياض

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mh1398.allgoo.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع

مُساهمة من طرف الغريب في الأربعاء مارس 28, 2012 3:19 pm

بعضهم يقول أول واجب الشك ، و بعضهم يقول أول واجب معرفة الإله ، و معرفة الإله إذا أريد بها التوحيد فلا شك أن هذا هو المقصود و لكنهم يقصدون شيئاً آخر.
في هذا الحديث يقول: ( فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله و في رواية : أن يوحدوا الله ) و هذا كاف في المقصود على أن أول واجب على البعد هو توحيد الله تعالى ، ثم بعد ذلك أمره بأن يبلغهم بالصلاة و الزكاة ، و لم يذكر في هذا الحديث صيام رمضان و لا الحج ، مع أن النبي صلى الله عليه و سلم متى أرسل معاذ ؟ أرسله في آخر حياته بعد أن فرض الصيام و الحج ، فلماذا لم تذكر في هذا الحديث؟ يقول بعض أهل العلم أنها لم تذكر في الحديث لأنها اختصرها الراوي ، الراوي و هو يذكر الحديث اختصر و ذكر الصلاة و الزكاة و ترك الباقي ، و قال بعضهم: إنما ذكر هذه لأن هذه من إلتزمها فهو ملتزم لغيرها من باب أولى. و الصيام أهل من الصلاة التي تتكرر في اليوم خمس مرات ، و أسهل من بذل المال و الإنفاق فيه. على كل نعرف أن وجوب الصيام و الحج ثابت بلا ريب بأدلة كثيرة و هو من المعلوم من الدين بالضرورة ، و لكنها لم تذكر هنا إما إختصاراً أو كما قيل إن من إلتزم بهذه فهو مستعد أن يلتزم بغيرها ، أو لأنه لما أرسله قبل أن يحج النبي عليه الصلاة و السلام و لم يكن الوقت الذي جاء فيه وقت صيام و لا وقت حج ، و لا يلزمهم أن يعرفوا حكم الصيام الحج حتى يأتي وقته.
قال: (و إياك و كرائم أموالهم ) يعني : إذا أخذت الزكاة فلا تأخذها من أفضل المال إنما تأخذ من الأوسط.
ثم قال : ( و اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها و بين الله حجاب) و هذا تحذير أن يتقي دعوة المظلوم فإن المظلوم يجيب الله تعالى دعاءه ، هذا الحديث متفق عليه.
و في الحديث الآخر و هو متفق عليه أيضاً ، من حديث سهل بن سعد و فيه وقفات جميلة.
يقول : (أن النبي صلى الله عليه و سلم قال يوم خيبر : لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله ) هذه فضيلة عظيمة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أنه تحقق فيه هذا الأمر محبة اله و رسوله له و محبته هو لله و لرسوله، و فيه أيضاً دليل على أن الله تعالى من صفاته أنه يحب خلافاً لمن ينكر هذه الصفة من الجهمية و من تابعهم ، و الجهمية إسم يطلق على كل من ينكر الصفات أو يؤولها ، فيطلق الجهمية على الجهمية و المعتزلة و الأشاعرة و الماتريدية و غيرهم.
قال : (فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها )يعني : يخوضون و يفكرون أيهم يعطاها ، وفي هذا دليل على أن الصحابة كانوا يتنافسون في أعمال الخير . قال : (فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم كلهم يرجوا أن يعطاها ) كل واحد منهم يتمنى يكون هو الذي يأخذ الراية (فقال النبي صلى الله عليه و سلم : أين علي بن أبي طالب ؟ )في هذا سر عظيم ، وهو أن الذي لا يحرص على الأمر من الولايات و لو كان فيها أجر فهو مؤهل لها أكثر من غيره، و لذا قال النبي صلى الله عليه و سلم : (إنا لا نولي أحداً سأل الولاية ) فالذي يقول : أنا استحق الولاية ، و أنا أهل و قادر فإنه لا يولى ، و ن ذلك مثلاً القضاء ، فإن من ذهب و قال أنا مستحق أن أكون قاضياً فإنه لا يولى ، كما ذكر ذلك الفقهاء ، و في هذا الحديث دليل على ذلك ، فتأمل كلهم كانوا يتمنون أن يعطوها فوقع اختيار النبي صلى الله عليه و سلم على علي الذي لم يكن حاضراً بل كان مريضاً لا يأمل أن يعطى هذه الراية ، و في بصاق النبي عليه الصلاة و السلام و هو البصق و إخراج الريق من الفم بصاق النبي صلى الله عليه و سلم على عين على بن أبي طالب آية من آيات نبوته لبركة النبي عليه الصلاة والسلام,
قال : (أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم ) و هذا هو المراد أن النبي عليه الصلاة و السلام أمره بالدعوة و هو الشاهد في هذا الباب .
قال : (و أخبرهم بما يجب عليه من حق الله تعالى فيه ، و الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ) حمر : يعني الإبل الحمر ، حمر جمع أحمر ، و النعم هي الإبل فحمر النعم هي الإبل الحمر و أنفس الإبل عند العرب ، فيقول : هذه الإبل الحمر الغالية الثمينة أن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير منها. و قي قوله (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً ) دليل على أن الهداية من الله و إنما العبد يدعو و يرشد و يبين , أما الهادي فهو الله سبحانه و تعالى إذا كتب للعبد الهداية هداه و إذا لم يقدر الله تعالى له الهداية بقي على ضلالة. هذا أبرز ما في هذا الباب من فوائد، نسأل الله أن ينفعنا بما نقول و نسمع و صلى الله و سلم على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين .


بسم الله و الحمد لله و الصلاة و سلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله ، صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم تسليماً كثيراً .
قال المؤلف رحمه الله تعالى :

باب تفسير التوحيد و شهادة أن لا إله إلا الله

و قول الله تعالى : (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب) الآية
و قوله: (و إذ قال إبراهيم لأبيه و قومه إنني راءٌ مما تعبدون ، إلا الذي فطرني ) الآية.
و قوله : (اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون الله ) الآية .
وقوله : ( و من الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله ) الآية .
و في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال من قال لا إله إلا الله و كفر بما يعبد من دون الله حرم ماله و دمه و حسابه على الله عز و جل ).
ــــــــــــــــــــــــــــ
بعد أن ذكر المؤلف حكم التوحيد و فضله و ما يكفر من الذنوب و الدعاء إليه و الدعوة إليه ذكر في مسائل الباب أن شرح هذا الباب هو ما يليه من أبواب كتاب التوحيد فكل ما بقي من أبواب كتاب التوحيد شرح و توضيح لمعنى التوحيد و ما ينافيه.
قال : (باب تفسير التوحيد) التفسير :هو الشرح و الكشف و الإيضاح. و التوحيد تقدم معناه في الدرس الأول معناه في اللغة و في اصطلاح أهل العلم . (وشهادة أن لا إله إلا الله ) تقدمت معناً أيضاً. ذكر المؤلف آيات و حديثاً واحداً.
الآية الأولى قوله تعالى : ( أولئك الذين يدعون) أولئك : إشارة للبعد. الذين يدعون : يعني يعبدونهم من دون الله. فهو يقول تعالى : إن الذين يعبدونهم من دون الله ، من يعبدهم المشركون من دون الله عن أنفسهم يتنافسون في طاعة الله و يبتغون القربى إلى الله ( أولئك الذين يدعون ) يعني أولئك الذين يعبدون ، (يبتغون إلى ربيهم الوسيلة ) يعني يبتغون الوسيلة إلى الله : يعني القرب له سبحانه و تعالى فإذا كان من تعبده من دون الله هو نفسه يتقرب إلى الله ، فأنت أولى أن تتقرب بنفسك إلى الله تعالى. هذا هو مراد الآية ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربيهم الوسيلة أيهم أقرب)
الآية الثانية: قوله تعالى : ( وإذ قال إبراهيم لأبيه و قومه إنني براء مما تعبدون ) يعني إنني برئ أي أبرأُ مما تعبدون من دون الله ، إلا الله سبحانه و تعالى فهو إلهي لأنه فطرني فكما أنه ربي فإني أوحده بالربوبية فكذلك أوحده بالألوهية ( الإلهية ).
الآية الثالثة : قوله تعالى : ( اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون الله ) الأحبار : هم العلماء ، و الرهبان : هم العباد . عباد النصارى و علماؤهم اتخذوهم أرباباً من دون الله لماذا اتخذوهم أرباباً؟ لأنهم كانوا يحللون لهم الحرام و يحرمون علهم الحلال فيطيعونهم . و قلنا أن التدبير الشرعي نوع من أنواع توحيد الربوبية ، فمن صرف هذا التدبير لغير الله فقد أشرك ف ي الربوبية ، و هذا الذي وقع منهم فلما أطاعوهم في تحريم الحلال و تحليل الحرام اتخذوهم أرباباً من دون الله .
ثم ذكر الآية الأخيرة في هذا الباب و هي قوله تعالى : ( و من الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله ) و في هذا بيان حال المشركين إنهم يصرفون الحب ـ و هو عبادة لله ـ يصرفونها لغير الله أكثر من الله سبحانه و تعالى ، و في هذا بيان لحال أهل الشرك و هو توضيح لحال أهل التوحيد كما قيل و بضدها تتبين الأشياء.
ثم ذكر حديث يقول:و (في الصحيح) و المؤلف إذا قال كلمة في الصحيح فإنه يريد أحد ثلاثة أمور:
(1) إما في الصحيح يعني : في صحيح البخاري .
(2) أو في الصحيح يعني : في صحيح مسلم .
(3) أو يقصد في الصحيح يعني : في الصحيحين .
(4) أو أنه يقصد في الصحيح يعني : في الحديث الصحيح.
و في هذا الكتاب تجدونه أحياناً يقول في الصحيح و يكون في البخاري، و أحياناً يقولون في الصحيح و يكون في مسلم ، و أحياناً يكون في الصحيحين ، و ربما يقولون في الصحيح و لا يكون في البخاري و لا في مسلم و لكن يقصد أنه حديث صحيح.
هذا الحديث أخرجه مسلم ، وفيه أن النبي صلى الله عليه و سلم يقول (من قال لا إله إلا الله ) قلنا قول لا إله إلا الله يقتضي قولها باللسان لفظاً ، و قولها بالقلب اعتقاداً ، و قولها بالجوارح أفعالاً.
فمعنى من قال لا إله إلا الله ، يعني تلفظ بها و اعتقدها في قلبه و عمل بمدلولها. و أضاف لقول لا إله إلا الله ركناً آخر و هو (و كفر بما يعبد من دون الله). فلا بد من أمرين :-
الأول : قول لا إله إلا الله و قلنا هذا يشمل قول اللسان و قول القلب و قول الجوارح.
و الثاني: أن يكفر بما يعبد من دون الله.
فالكفر بما يعبد من دون الله يكون أيضاً على ثلاثة أنواع كلها واجبة في الكفر بما يعبد من دون الله و هو الذي يسمى الكفر بالطاغوت ، كما قال تعالى : (فمن يكفر بالطاغوت و يؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) الكفر بما يعبد من دون الله بثلاثة أشياء :
(1) الكفر بالقلب :يعني يبغض ما يعبد من دون الله ، بغض الكفر و أهل الكفر ، و هذا واجب على كل مكلف لا يسقط عن أحد.
(2) الكفر باللسان: بأن يصرح بالعداوة لأهل الكفر و يصرح بتكفيرهم و يصرح ببغضه لهم ، يصرح بأنه لا يعبد هذه الآلهة و أنه يكفر من يعبدها ، و هذا واجب على كل مكلف لكنه يسقط بالإكراه.
(3) البغض بالأفعال : فأنت تكفر بما يعبدون من دون الله بالأفعال و ذلك بأن تجاهد أهل الكفر وتحاربهم وهذا يتبع فيه المصلحة كما يذكره أهل العلم في كتاب الجهاد.
و المقصود من هذا الباب بيان تفسير التوحيد و شهادة أن لا إله إلا الله و تفسير التوحيد و شهادة أن لا إله إلا الله باءً على ما ذكره المؤلف من أدلة يعني إفراد الله تعالى بالعبادة و البراءة من كل ما يعبد سوى الله و هذا هو المقصود بهذا الباب و هذا الباب تمهيد لجميع أبواب الكتاب المقبلة.

باب من الشرك لبس الحلقة و الخيط و نحوهم
لرفع البلاء أو دفعه
و قول الله تعالى : ( قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هنَّ كاشفات ضره) الآية .
و عن عمران بن حصين رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه و سلم رأى رجلاً في يده حلقة من صفر ، فقال : ما هذه ؟ قال : من الواهنة ، فقال : أنزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً ، فإنك لو مت و هي عليك ما أفلحت أبداً ) رواه أحمد بسند لا بأس به ..
و له عن عقبة بن عامر مرفوعاً : ( من تعلق تميمة فلا أتم الله له ، و من تعلق ودعة فلا ودع الله له) و في رواية (من تعلق تميمة فقد أشرك ) .
و لإبن أبي حاتم عن حذيفة ( أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه ، و تلا قوله : ( و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) .
ـــــــــــــــــــــــــــ
هذا الباب يقول: (باب من الشرك لبس الحلقة و الخيط و نحوهما لرفع البلاء أو دفعه) تعبير المؤلف إذ قال : ( من الشرك ) يعني أن هذا الباب من أنواع الشرك ، قد يكون شركاً أكبر و قد يكون الشرك فيه شركاً أصغر. أما إذا قال : ( باب ما جاء في كذا ) فلا يدل على أنه من أنواع الشرك و إنما قد يكون من أنواع البدع المذمومة أو الغلو المذموم الموصل إلى الشرك.
يقول : (من الشرك لبس الحلقة و الخيط و نحوهما لرفع البلاء أو دفعه ) و الفرق بين الرفع و الدفع ، أن الرفع يكون بعد وقوع البلاء ، مثل إنسان أصابه مرض أو أصابته عين ، فلبس حلقة وضعها في بدنه ليرفع هذا المرض ، هذا اسمه رفع ، أما دفع البلاء فهو قبل الوقوع ، مثل ما لو إنسان وضع على نفسه حلقة أو خيط أو شئ من هذا القبيل لأجل ألا يقع فيه البلاء، يعلق على نفسه مثلاً ورقة أو يعلق على نفسه وتراً أو يعلق على نفسه شئ لأجل ألا يصيبه البلاء ، العين أو السحر أو المرض هذا هو الفرق بين رفع البلاء و دفعه.
ذكر المؤلف آية واحدة في هذا الباب ، قوله تعالى : ( قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفا ضره ) يعني أنه لا يكشف الضر إلا الله فهؤلاء الذين تدعون مع الله وتشركون بهم مع الله لا يكشفون الضر عنكم ، بل إنما يكشف الضر سبحانه و تعالى وحده لا أحد سواه . و في هذا إشارة إلى أنه لا يدفع الضر إلا الله فلا ينبغي للإنسان أن يعلق قلبه إلا بالله تعالى.
ثم ذكر حديث عمران بن حصين ، و هذا الحديث فيه ضعف لأنه من رواية عزرة المعافري عن الحسن عن عمران بن الحصين و عزرة روايته عن الحسن مرسلة هذا أولاً، ثانياً أن الحسن اختلف أهل العلم هل لقي عمران بن حصين أو لا ؟ و الذي اختاره جمع من المحققين أنه لم يلق عمران و قد روي من حديث سعيد عن الحسن عن عمران ، و سعيد عن الحسن هذا متصل إن شاء الله ، لكنه يبقى فيه الإشكال في لقي الحسن لعمران فإن في لقائه إشكال ، و على كل فهذا المعنى الذي ذكره في حديث عمران يدل عليه حديث عقبة بن عامر الذي يذكره بعده.
حديث عمران يقول : ( أن النبي صلى الله عليه و سلم رأى رجلاً في يده خلقة من صفر ) . حلقة: يعني حديدة محنية دائرية هذه هي الحلقة .
و الصفر : هو النحاس يعني حلقة أسورة مثلاً من النحاس و ضعها في يده.
و في رواية أخرى الذي كان يضعها هو عمران نفسه , أنها وضعها في عضده. فأمره النبي صلى الله عليه و سلم أن ينزعها ، وقال : ( فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً ) ، لأنك تكون قد وقعت في هذا العمل و هو من الشرك ، و هذا يدل على أن الشرك سواء كان أصغر أو أكبر فهو أكبر من الكبائر و أخطر منها.
أما (الواهنة) الواردة في الحديث فهي نوع مرض يأخذ بالعضد يصيب اليد ، مرض يصيب اليد، مثل هذه الحديدة التي علقها هذا الصحابي ، مثلها ما يفعله بعض الناس من وضع حديدة تستورد و توضع في اليد لدفع مرض الرومتزم مثلاً ، هناك حدائد تباع في بعض الأماكن يقول من يبيعها إذا و ضعتها على يدك اليسرى أو اليمنى في موضع معين فإنك يزول عنك مرض الرومتزم ، مثلها أيضاً ما لو اعتقد الإنسان أن الدبلة ال تي يقدمها الرجل لإمرأته إذا تزوجها فإنها تسبب لهم السعادة الزوجية أو الرفاه بينهما و الراحة ، فهذا أيضاً من هذا القبيل ، أما لو كان يفعلها لغير هذا القصد فلا تكون من الشرك. ومثل ذلك أيضاً ما لو كان الإنسان يعلق على سيارته مثلاً شيئاً معيناً يعتقد أنه يدفع البلاء، مثل بعض الناس يعلق رأس حيوان على السيارة ، أو يضع عليها قربة قديمة أو خرقة بالية أو نحو ذلك يقصد من ذلك أنه لا يصيبها البلاء . هذه كلها أمثلة معاصرة لما فعله هذا الصحابي و أنكر عليه النبي عليه الصلاة و السلام.
يقول : (و له ، عن عقبة بن عامر ) يعني لأحمد و هذا الحديث رواه أحمد و أبو داود و غيرهما و إسناده صحيح إن شاء الله .( و له ، عن عقبة بن عامر مرفوعاً : من تعلق تميمةً) التميمة معروفة : التمائم معروفة و سيأتي بيانها في مزيد إيضاح في الدرس الذي بعد هذا ، أو في الباب الذي بعد هذا. يقول : (من تعلق تميمةً) علقها على نفسه و تعلق قلبه بها قد تكون التميمة يضعها في فراشه أو يعلقها في سيارته مثلاً . يقول النبي صلى الله عليه و سلم : (من تعلق تميمة فلا أتم الله له و من تعلق ودعة فلا ودع الله له ) الودع : مثل الصدف يخرج من البحر و يعلقه بعض الناس من أجل دفع البلاء عن النفس هذا الودع الذي يشبه الصدف و يخرج من البحر. يقول النبي صلى الله عليه و سلم ( و من تعلق ودعة فلا ودع الله له ) ما معنى ( فلا ودع الله له ) ؟ يعني لا تركه في دعة و راحة .بل دعاء من النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون تعليقه للودع سببا لعدم الراحة عنده ، و سبباً لحصول كثير من البلاء له .
يقول : ( وفي رواية ) هذه الرواية أخرجها أحمد أيضاً في مسنده و إسنادها صحيح (من تعلق تميمة فقد أشرك) و هذا يدل على أن تعليق التمائم شرك ، سيأتي تفصيل نوع الشرك فيها.
يقول ( و لابن أبي حاتم ) هذا الحديث ضعيف، يقول ( و لابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلاً ف يده خيط من الحمى ) يعني في حمى أصابته و الحمى هي ارتفاع الحرارة فوضع في يده خيط
أي ربط يده بخيط ، يعتقد أنه يدفع هذا المرض ، فقطعه حذيفة عنه، و تلا قوله تعالى ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا و هم مشركون ) معنى هذه الآية : أن كثير من الناس لا يؤمن بالله إلا و هو مشرك ، فهو مؤمن بالله توحيد الربوبية و مع ذلك يشرك مع الله في الألوهية ، فهو في الربوبية يعتقد أن الله تعالى هو الخالق الرازق ، أما إذا جئنا في الألوهية فهو يصرف العبادة لغير الله سبحانه و تعالى . هذا الحديث قدمنا فيه ضعف، لكن حديث عقبة بن عامر الذي قبله يكفي في الدلالة على هذا الأمر ، لكن في هذا الحديث فائدة ، و هو أن حذيفة استعمل هذه الآية التي وردت أصلاً في الشرك الأكبر ، استعملها في ماذا ؟ في الشرك الأصغر ، و هنا بعض الناس ممن يخالف أهل السنة إذا ذكرنا فه الأدلة الواردة في الشرك ، قال هذه الآيات أنزلها الله تعالى في المشركين الشرك الأكبر ، في المشركين السابقين ، و لا يقصد الله تعالى بها الشرك في أمة محمد ، فنقول إن الصحابة رضي الله تعالى عنهم استعملوا هذه النصوص في الشرك الواقع في الأمة كما فعل حذيفة و غيره.
هذا الباب الفائدة منه أن تعليق الحلقات و الخيوط و نحوها من الأشياء التي ليست فيها قرآن – يعني غير التمائم – هذه الأشياء تعليقها لا يجوز ، و هل يكون شركاً أكبر أو أصغر ؟ نقول : لا يخلو من علق خيط أو حلقة ، أو وضع تعليقاً لحدوة حصان مثلاً أو صليباً أو لعلامة من العلامات يقصد بها رفع البلاء أو دفعه ، لا يخلو إما يعتقد أن هذا الشيء الذي علقه ، الخيط أو رأس الحيوان أو مثل بعض الناس يأخذ جلد ذئب أو عين ذئب أو ذيل ذئب أو رأس حيوان آخر ، هذا يقع في كثير من المجتمعات و يقع عند كثير ممن يزعم أنه يقرأ على الناس و هو مشعوذ ، بعض الناس يقول ذيل الذئب يطرد الجن و بعضهم يأخذ ناب للذئب و يضعها عنده يقول هذا يطرد الجن لأن الذئب يأكل الجن و الجن يخاف من الذئب، و مثل هذا الكلام نقول : من تعلق شيئاً من هذا فإنه لا يخلو :
(1) إما أن يعتقد أن هذا الأمر الذي علقه ينفع و يضر بنفسه، يعتقد أن الناب أو العين أو الودع أو الخيط يضر بنفسه ، وهذا ما حكمه ؟ مشرك شرك أكبر ، في أي شئ ؟ في الربوبية ، مشرك شرك أكبر في الربوبية، و أيضاً لا يخلو من شرك أكبر في الألوهية لأنه إذا اعتقد هذا الإعتقاد فإنه سيعلق قلبه و رجاءه و توكله بهذا الشيء ، فيكون صارفاً للتوكل و الرجاء – توكل العبادة و رجاء العبادة – لغير الله فيكون قد أشرك في الربوبية و الألوهية .
(2) أما لو اعتقد أن هذا الذي علقه لا ينفع و لا يضر بنفسه ـ و هو أظنه حال أكثر الناس ـ يقول إني أعرف أن هذا الناب و الودع و الخرز و غيره لا ينفع و لا يضر بنفسه بل الله تعالى هو النافع الضار ، و لكه هذه سبب للشفاء ، و سبب لرفع البلاء ، فهذا حكمه أنه مشرك شركاً أصغر ليس بأكبر ، لا يخرج من الإسلام ، و لكنه وقع في أمر هو أعظم من الكبائر ـ كبائر الذنوب_
و السبب في ذلك لتفهم هذا، يجب أن تفهم قاعدة الأسباب التي يذكرها أهل العلم :
(1) أن كل من أتخذ سبباً و هو ليس بسبب في الشرع و لا في القدر فقد أشرك شركاً أصغر.
(2) من اعتقد أن غير الله ينفع و يضر فهذا مشرك شرك أكبر.
لكن من اعتقد أن شيئاً من الأشياء سبباً و هو ليس بسبب قدراً و لا شرعاً فهذا مشرك شرك أصغر ، فالأسباب التي الله تعالى لدفع الضر لا تدخل في هذا الباب ، فعندنا الآن إنسان اعتقد في شئ أنه سبب للعافية ، نقول : لا يخلو إما أن يكون هذا سبباً فعلاً في القدر أو في الشرع ، مثل ماذا ؟ إنسان يعتقد أن العسل فيه شفاء ،هل العسل سبب للشفاء ؟ نعم بدليل الشرع لأن الله تعالى قال فيه شفاء، لو أن أنساناً اعتقد أن حجامة فيها شفاء و قال أنا أحتجم لأن الحجامة سبب للشفاء ، هل فِعل هذا شرك؟ ليس بشرك لأن هذا سبب و ثبت أنه سبب بالشرع، لأن النبي صلى الله عليه و سلم إحتجم ، و كذلك الكي ، وال نبي عليه الصلاة و السلام كوى سعد بن معاذ فإذا إنسان استعمل الكي لأنه اعتقد أنه سبب للشفاء فهذا ليس من الشرك لأن الكي ثابت بالشرع أنه سبب و قد يثبت أنه سبب لا بشرع و لكن بالقدر يعني جرى القدر على أن هذا الأمر سبب للشفاء ، مثل ما لو إنسان أصابه صداع فاستعمل الدواء المسكن ـ حبوب الأدوية المسكنة المعروفة ـ ، أو كان في بطنه شيء فاستعمل دواء يسهل البطن هذه الأدوية تعرف في القدر، جرى القد بأنها سبب لتسكن الألم و سبب لإطلاق البطن ، و غير ذلك ، مثل الأدوية التي يستعملها الأطباء ، هذه الأدوية ثبت عندنا أنها سبب للشفاء ، لكن هل ثبت بطرق الشرع؟ ليس بطرق الشرع ، بطرق ماذا ؟ بطرق القدر فهذه من اعتقد أنها سبب لا يكون واقعاً في الشرك ، فإن اعتقد شيئاً أنه سبب و هو ليس بسبب في الشرع و لا في القدر فهذا هو الشرك الأصغر. و لكن بالنسبة للسبب القدري لا بد فيه من شرط : هو أن يكون أثره و علاقته ظاهرة . لآن بعض الناس يقول : يا أخي أنا إذا وضعت خيط أو صليب أو حدوة حصان و علقتها على صدري أو على بيتي الاحظ في نفسي إطمئنان و راحة و سكون و هدوء بال . و هذا أثر لماذا لا تقول إن هذا أثر من آثار القدر ؟ أثبت القدر أن هذا سبب للراحة ؟ نقول : أن هذا الأمر ليس بأمر ظاهر ، بخلاف الدواء الذي نعرف كيف يعمل ، و إنه يقاتل الجراثيم ، أو أنه يسكن موضع الإحساس بالألم ، فتأثير هذا السبب لا بد أن يكون طاهراَ. فمثلا بعض المشعوذين يجعل في بيته ذئب و يقول أن الذئب يأكل الجن و يقول هذا سبب في القدر ثبت عندنا أننا إذا أحضرنا الشخص المريض و رأي الذئب يخرج منه الجني ، هكذا يقول ، هذا الكلام الذي يقوله لا نقره عليه ، لماذا ؟ لأننا لا نرى الجن ، فلا نعرف هل فعلاً يأكل الذئب الجن أو لا ؟ فتعلقها بهذا تعلق بأمر غير ظاهر ، و التعلق بأمر غير ظاهر ينفي كون هذا الشيء سبب .
لا بد لأجل أن نعتبر هذا سبباً أن يكون أمراً ظاهراً يمكن إدراكه ، على كل نعرف من هذا أنه إذا اعتقد الإنسان أن شيئاً من الأشياء سبباً لحصول المقصود و لم يثبت أنه السبب لا في الشرع و لا في القدر ، فقد وقع في شرك أصغر ، أما إذا اعتقد أن هذا الشيء ينفع و يضر بنفسه فهو شرك أكبر في الربوبية ، هذا هو مجمل هذا الباب ، و إذا فهمت هذا ستفهم الباب الذي يليه بإذن الله.

يقول المؤلف رحمه الله :
avatar
الغريب
Admin

عدد المساهمات : 114
نقاط : 319
تاريخ التسجيل : 23/02/2012
العمر : 43
الموقع : الرياض

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mh1398.allgoo.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

باب ما جاء في الرقى و التمائم

مُساهمة من طرف الغريب في الأربعاء مارس 28, 2012 3:38 pm

باب ما جاء في الرقى و التمائم
في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه : (أنه كان مع رسول الله في بعض أسفاره ، فأرسل رسولاً أن لا يبقين في رقبة بغيرٍ قلادة من وفر ، أو قلادة إلا قطعت)
و عن ابن مسعود رضي الله عنه ،قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : (إن الرقى و التمائم و التولة شرك ) رواه أحمد و أبو داود .
و عن عبد الله بن عكيم مرفوعاً : ( من تعلق شيئاً وكل إليه ) رواه أحمد و الترمذي .
(التمائم ) : شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين ، لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف ، و بعضهم لم يرخص فيه ، و يجعله من المنهي عنه ، منهم ابن مسعود رضي الله عنه .
(والرقى) : هي التي تسمى العزائم ، و خص منها الدليل ما خلا من الشرك ، فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم من العين و الحمة .
(و التولة ) : هي شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها و الرجل إلى امرأته .
و روى أحمد عن رويفع ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( يا رويفع لعل الحياة تطول بك ، فأخبر الناس أن من عقد لحيته ، أو تقلد و تراً ، أو استنجى برجيع دابة أو عظم ، فإن محمداً بريء منه )
عن سعيد بن جبير قال : ( من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة ) رواه وكيع و له عن إبراهيم ، قال : كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن و عير القرآن .
ــــــــــــــــــــــــــــ
المؤلف يقول : (باب ما جاء في الرقى و التمائم ) و لم يقل : من الشرك مثل الباب الذي قبله .
الرقى : معروفة ، الرقية ، وهي القراءة على المريض ، إذا قرأ الإنسان على المريض ، و قد يقرأ على غير المريض لأجل أن لا يصيبه بلاء ، فقد كان النبي عليه الصلاة و السلام كل ليلة قبل أن ينام ، ينفث في يده و يمسح على بدنه .
و التمائم : هي التي تعلق على الأولاد يقول المؤلف : (شيء يعلقونه على الأولاد ) ، يعني أوراق يكتب فيها كتابات معينة و تعلق على الأولاد و غيرهم لأجل اتقاء العين أو رفع بلاء.
ذكر فيه المؤلف حديث أبي بشير الأنصاري ، يقول : (في الصحيح ) هذا الحديث أخرجه البخاري و مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم في تعض غزواته ، أرسل رسولاً ينادي في الناس : ألا تبقى في رقبة بعير قلادة من وتر إلا قطعت . الوتر جاء هو مفرد أوتار ، و هي التي تربط في القوس ليرمى بها السهم ، كان الوتر إذا صار بالياً و لم يعد ينفع في رمي السهام بالقوس يأخذونه و يعلقونه على البعير ، أو على الدواب لأجل ألا تصيبها العين ، فإنها – يقولون – إذا نظر الإنسان إلى هذا الوتر البالي ذهبت عينه فيه ، كما أن البعض إذا أراد أ، يشرب الماء أو يأكل من الطعام أخذ جزءً و ألقاه ، في بعض المجتمعات ـ ربما يكون في بعضها غير موجود ـ إذا فتح علبة للماء أو أخذ طعاماً جديداً ، يأخذ بعضاً منه و يصبه فيقول أن العين تذهب في هذا ، و بعضهم يأخذ الوتر أو الشيء القديم و يعلقه على سيارته ، أو على بيته ، لأجل إذا رأى الناس هذا الشيء القبيح تنصرف العين عنه ، فهذا اعتقاد منهم بأن الشيء سبب ، و قلنا إنه يحتاج إثبات السبب إلى أن يثبت إما بالشرع أو بالقدر ، و هذا لم يثبت بالشرع أنه يزيل العين ، بل إزالة العين تكون بالتعوذات النبوية و بالقراءة الشرعية ، و لذا فإن تعليق الأوتار و نحوها على الدواب و على البيوت و تعليق الإنسان ذلك على نفسه هذا من الشرك الأصغر متى ؟ إذا لم يعتقد أنها تنفع و تضر ، أما إذا اعتقد أنها تنفع و تضر فهذا شرك أكبر.
ذكر بعده حديث عبد الله بن مسعود : ( إن الرقى و التمائم و التولة شرك) . هذا الحديث صحيح يقول فيه النبي عليه الصلاة و السلام : الرقى : يعني القراءة على المريض ، و التمائم : التى تعلق ، و التولة ، و شرحها المؤلف ، كلها شرك و هذا الحديث يخص منه ما سيأتي الكلام عنه في آخر الباب عند الكلام على أحكام هذا الباب، و لكن الحديث يدل على أن كل هذه الأشياء من أنواع الشرك ، ثم ذكر حديث عبد الله بن عكيم ، وهو حديث صحيح أيضاً (أن من تعلق شيئاً ) : يعني تعلق قلبه به ، أو علقه على رقبته ، ( وكل إليه ) فترك نفعه و ضره إليه ، و هو معلو أن النفع و ضر بيد الله تعالى . يقول المؤلف بعد ذلك ، ذكر تفصيلاً لأنواع التمائم مقتضى كلامه رحمه الله ، أن التمائم لا تخلو إما أن تكون من القرآن ، أو من غير القرآن ، فإن كانت من غير القرآن يعني إنسان يكتب أباطيل أو حروف يجمعه أو يكتب مثلثات أو مربعات ، و يجعل فيها أرقام و حروف ، أو نحو ذلك ، هذه الأشياء التي يكتبها إذا لم تكن من القرآن فحكمها ما قدمناه في الباب الذي قبله ، إن اعقد فيها النفع و الضر فهي ماذا ؟ شرك أكبر ، و إن اعتقد أنها سبب فهو شرك أصغر ، أما إذا كانت هذه التمائم مكتوب فيها آيات من القرآن ، إذا كتب فيها آيات من القرآن ، فهذه فيها خلاف بين السلف ، فذهب عبد الله بن عمرو بن العاص إلى أنها مباحة ، فإنه كان يعلق على أولاده إذا ناموا قول النبي صلى الله عليه و سلم ( أعوذ بعزة الله و قدرته ) لأحل أن يدفع عنهم السوء حال نومهم ، أما ابن مسعود رضي الله تعالى عنه فكان يحرم تعليق التمائم سواءً من القرآن أو من غير القرآن ، و جمهور الفقهاء ذهبوا مذهب عبد الله بن عمرو بن العاص ، و يرون أن المعلق إذا كان من القرآن فهو مباح ، أما أئمة الدعوة الذين منهم السيخ محمد بن عبد الوهاب و تلامذته بعده _ وهو الذي عليه الفتوى الآن – يأخذون بقول إبن مسعود رضي الله تعالى عنه. و ذلك لثلاثة أمور:
(1) الأمر الأول : أن حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عه عام ، إن التمائم شرك ، فكل التمائم شرك ، فتخصيص التمائم من القرآن من بينها يحتاج إلى دليل ، و إذا لم يوجد دليل فيبقى على عمومه .
(2) الأمر الثاني : أن المنع من جميع التمائم يسد الباب على كل من أراد أن يلبس على الناس ، فيدخل عليهم التمائم التي فيها الشعوذة و الشرك في هذه التمائم بدعوى أنها من القرآن ، فيقولون نمنعها سداً لذريعة الشرك.
(3) الأمر الثالث : أن تعليق القرآن يفضي إلى امتهان كتاب الله ، فإنه لا يؤمن أن تعلق على صبي و تصيبه النجاسة أو يدخل بها إلى الخلاء ، أو يستعملها في غير شيء طاهر و هذا امتهان لكتاب الله ، فحفظاً له يمنع من تعليق هذه التمائم. هذا هو حكم التمائم .
أما الرقى : فهي القراءة على المريض و تسمى عزيمة ، و العزائم . جمع عزيمة : عزائم ، هذه الرقية على المريض تحتاج إلى ثلاثة شروط إذا و جدت في هذه الرقية جازت و إلا تكره الرقية أو محرمة. فحديث ابن مسعود يقول ( إن الرقى التمائم و التولة شرك ) ، هذا الحديث عام و لكن خصصه الحديث الذي قدمناه عن بريدة بن الحصيب أنه قال : ( لا رقية إلا من عين أو حمة ) و هذا يدل على استعمال الرقية أحياناً ، فهذا يدل على أن في المسألة تفصيل ، و التفصيل أن الرقية إذا و جد فيها ثلاثة شروط فهي مباحة :
(1) الشرط الأول : أن لا يكون فيها شرك أو مخالفة شرعية ، لقول النبي صلى الله عليه و سلم فما في صحيح مسلم : ( لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً ) ، فإذا كان في الرقية شرك أو مخالفة شرعية فإنها لا تجوز
(2) الشرط الثاني : أن لا يعتقد الإنسان أنها تنفع و تضر بنفسها ، بل يعتقد أن النافع والضار هو الله تعالى ، و إنما هي سبب محض قد يحصل الشفاء و قد لا يحصل.
(3) الشرط الثالث : أن تكون بلسان عربي ، و بألفاظ معلومة سواءً كانت الرقية بما ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم أو بما جاء في كتاب الله بأن يقرأ الإنسان آيات أو يقول الأدعية التي وردت عن النبي صلى الله عليه و سلم نحو :
(الهم رب الناس أذهب البأس ، أشف أنت الشافي ) و نحوها أو كانت بشيء لم يرد عن النبي صلى الله عليه و سلم ، مثل إذا قال الشخص : بسم الله الشافي ، بسم الله المعافي الله يشفيك ، الله يعافيك ، وقرأها على المريض ، هذه الألفاظ لم ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام ، لكن ما دامت معروفة المعنى و ليس فيها شرك فلا بأس بها.
هذه الثلاثة شروط إذا وجدت في الرقى كانت الرقية شرعية و إذا انتفى أحد هذه الشروط تكون الرقية غير جائزة ، لحديث ابن مسعود.
التولة : هي التي يسميها بعض الناس الصرف أو يسموها العطف أو يسمونها السخرة أو يسمونها يغير هذا الاسم ، التولة شيء تصنعه المرأة عند ساحر لأجل أن يحبها زوجها أكثر ، أو يصنعه الرجل ليحبب المرأة إليه ، و هذا ما دام عمل السحرة فإنه كفر كما قال تعالى : (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ) و السحر كله كفر .
ثم ذكر المؤلف حديث الإمام أحمد ‘ن رويفع : ( قال يا رويفع لعل الحياة تطول بك فأخبر الناس أن من عقد لحيته ) معنى عقد اللحية فيها أقوال عند أهل العلم :
(1) قيل عقد اللحية معناه عقدها بمعنى أن تنتفش بعد عقدها فيفعل ذلك تكبراً على الناس.
(2) قيل لأجل أن يجعدها بهذا العقد فيكون من فعل أهل التأنُّث
(3) و الأقرب أن المراد بعقد اللحية أن بعض الناس كانوا في الجاهلية إذا كانت لحيته جميلة يعقدا لأجل إذا رآها الناس لا يحسدونه على حسن لحيته، و هذا يقع عند بعض الناس ، أن يقبح ثيابه و يجعل ملابسه سيئة لأجل لا يصيبها العين ، يعض الناس إذا كان عنده ولد جميل و خشي عله من العين يلبسه ملابس سيئة أو يجعله غير مرتب الهيئة لأجل لا تصيبه العين . و هذا من هذا القبيل.
لكن حاء حديث ذكره ابن القيم في زاد المعاد أن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، رأى طفلاً حسن الوجه فقال لأهله : ( دسموا نونته ) ، النونة : هي هذه التي تكون في اللحية النغزة ؟؟؟ التي تكون في اللحى – لحى الإنسان – قال : (دسموا نونته ) يعني اجعلوا فيها السواد لأجل أن من رآها لا يشعر أنها من الحسن و إنما يطن أنها أثر إصابة أو ضربة ، و لكن هذا الحديث يحتاج إلى نظر في ثبوته ، و على كل فالحديث الذي معنا يقول فيه النبي صلى الله عليه و سلم (من عقد لحيته فإن محمداً بريء منه ). قال : 0(من عقد لحيته أو تقلد وتراً ) : يعني علق الوتر نفسه و قلنا إن هذا إن علقه بقصد أنه ينفع و يضر فهذا من الشرك الأكبر و إلا فهو من الشرك الأصغر. قال : ( أو عقد لحيته أو استنجى برجيع دابة ) : رجيع الدابة هو روث الدابة قال : ( أو عظم فإن محمداً بريء منه ) لأن رجيع الدواب هو طعام بهائم الجن و العظام هي طعام الجن. و قول النبي عليه الصلاة والسلام (فإن محمداً بريء منه ) يدل على أن هذا الفعل من الكبائر .
قال بعدة الأثر الذي قاله سعيد بن جبير و رواه وكيع : ( من قطع من إنسان تميمة كان كعدل رقبة) : يعني في الأجر ، و هذا سعيد بن جبير ليس صحابي إنما هو تابعي ، فقوله لا يكون حديثاً متصلاً صحيحاً بل هو مجرد مرسل إن كان له حكم الرفع ، و الصحيح أنه ليس له حكم الرفع ، فإن قول التابعي إذا قال ولم يكن من محل الإجتهاد فإنه لا يحمل على أنه سمعه غن النبي صلى الله عليه و سلم كالحال في الصحابي ، و إن كان هذا فيه خلاف ، و الذي ذكرته هو قول الجمهور خالفهم المالكية ، لكن على كل حال هذا القول من سعيد بن جبير يدل على فقهه لأن الإنسان إذا قطعت منه هذه التميمة فأنت حررته من الشرك و حررته من النار.
و روى وكيع أيضاً عن إبراهيم النخعي أنه قال : ( كانوا يكرهون ) من هم الذين كانوا يكرهون ؟ هم أصحاب عبد الله بن مسعود فكانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن و غير القرآن ، فأصحاب عبد الله بن مسعود كانوا يكرهون التمائم كلها ، أما عبد الله بن عمرو بن العاص فقد ورد عنه أنه استعمل التمائم من القرآن مطلقاً ، للأسباب التي ذكرناها نحتاج هنا أن نذكر مسألة مهمة ، قلنا أنه لا يجوز للإنسان أن يستعمل سبباً إلا إذا ثبت أنه سبب في الشرع أو ف ي القدر ، فهل هذه المسألة واضحة ؟ هذا الضابط واضح ، أنه لا بد أن يكون السبب سبباً فعلاً بالشرع أو بالقدر هذا واضح ، نقول إن الأسباب لا بد فيها من ثلاثة أمور :
(1) الأمر الأول :أن يثبت كونها سبباً في الشرع أو في القدر ، و قدمنا الكلام عليه و هذه أهم مسألة ، و من فهمها فهم كثيراً من مسائل الإعتقاد.
(2) الأمر الثاني : لا بد أن يعتقد أن السبب لا ينفع ولا يضر بنفسه إنما ينفع و يضر بإذن الله تعالى ، فالله تعالى هو النافع و حده و هذه أسباب محضة لوصول الإنسان إلى مقصوده ؟؟
(3) الأمر الثالث : أ، لا يستعملها وهو متوكل عليها بل يعتمد على الله تعالى ، بعض الناس يفعل الأسباب و هو يتوكل و يعتمد عليها اعتماد افتقار إليها ، فيرى أنه لو لم يستخدم هذا السبب فإنه ينقطع عن الوصول إلى مقصوده ، مثل البعض يعتقد أن الوظيفة التي هو يعمل فيها هذه هي سبب رزقه ، و لا شك أنها سبب للرزق لكن لو كان يعتمد عليها اعتماد افتقار ، ويرى أنه لو فصل منها فإنه لن يجد رزقاً فهذا محذور في باب الأسباب ، بل الواجب عليه أن يعتقد أنها طريق موصل ، و أن الله تعالى قيضها له ، فإذا منعت منه فإن الله تعالى سيقيض له رزقاً من باب آخر ، فكما كتب الله له هذا الباب يكتب له باباً آخر فهذه ثلاثة أمور : لا بد في السبب من أن يثبت أنه سبب ، هذا الأول ، الثاني لا بد أن يعتقد الإنسان أنه سبب محض و أن الله هو النافع و الضار. و الثالث أن لا يعتمد عليها الإنسان اعتماد افتقار ، بل يعتقد أنها مجرد سبب و الاعتماد كله يكون على الله سبحانه و تعالى .
هذه هي قاعدة الأسباب و هذه شروط الرقية و شروط تعليق التمائم عند من قال بجوازها ، و هو يجمل هذه الأبواب الثلاثة ، نكتفي بهذا القدر من شرح الكتاب و نصلي و نسلم على نبينا محمد وعلى آله و صحبه أجمعين .

بسم الله و الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله و على آله و صحبه و من ولاه ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله.
أما بعد : -
قال المؤلف رحمه الله تعالى :
avatar
الغريب
Admin

عدد المساهمات : 114
نقاط : 319
تاريخ التسجيل : 23/02/2012
العمر : 43
الموقع : الرياض

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mh1398.allgoo.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

باب من بشجرةٍ أو حجرٍ و نحوهما

مُساهمة من طرف الغريب في الأربعاء مارس 28, 2012 3:39 pm

باب من بشجرةٍ أو حجرٍ و نحوهما
و قوله تعالى : (أفرأيتم اللات و العزى ) الآيات .
عن أبي واقد الليثي قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى حنين و نحن حدثاء عهدٍ بكفر ، للمشركين سدرة يعكفون عندها و ينوطون بها أسلحتهم ، يقال بها ذات أنواط ، فمررنا بسدرة ، فقلنا : يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما بهم ذات أنواط ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : الله أكبر إنها السنن قلتم و الذي نفسي كما قالت بنو إسرائيل لموسى : ( اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، قال إنكم قوم تجهلون ) لتركبن سنن من كان قبلكم ) رواه الترمذي و صححه.
ــــــــــــــــــــــــــ
هذا الباب سماه المؤلف رحمه الله ، (باب من تبرك بشجرة أو حجر و نحوهما )
التبرك : طلب البركة
و البركة : في اللغة : هي كثرة الخير و ثبوته ، و من ذلك بركة الماء ، فإن بركة الماء تخالف الماء الجاري في أمرين : (1) كثرة الماء فيها . (2) ثبوته فيها. فالماء فيها كثير ثابت أما الماء الجاري في السواق ؟؟؟؟ فإنه قليل و ليس بثابت بل هو ماء جاري ، فالبركة ، طلب الخير و ثبوت الخير و كثرته ، و قد ذكر المؤلف في هذا الباب آية و حديثاً أما الآية فذكر قوله تعالى : ( أفرأيتم اللات و العزى و مناة الثالثة الأخرى ) : (اللات) : رجل كان يلت لهم السويق يعجن السويق للحاج ، فلما مات صوروا صورة على قبره ليذكروه بها فلما مر الزمن عبدوا هذه الصورة ، و هي حجر نحت على شكله . و (العزى ) : كذلك صنم كان بين مكة والطائف . و( مناة) : مأخوذ من منى لكثرة ما يمنى ليه من الدماء لأنهم كانوا يذهبون إلى هذه الأصنام فيريقون عندها الدماء ، يذبحون عندها الذبائح ، المقصون أن هذه أسماء أصنام و أوثان كان المشركون يعبدونها و يصرفون العبادة لها و ذلك لتعطيهم البركة ، يطلبون البركة بصرف العبادة لها ، فلذلك أوردها المؤلف في هذا الباب.
ثم أورد المؤلف رحمه الله حديث أبي واقد الليثي و فيه : أنه خرج مع النبي صلى الله عليه و سلم إلى حنين ، و حنين : غزوة وقعت بعد فتح مكة ، و قد خرج فيها مع النبي صلى الله عليه و سلم من أسلم من أهل مكة و ما حولها بعد الفتح ، فإنه خرج صلى الله عليه و سلم فيها و معه اثنا عشر ألفاً من المسلمين ، منهم عشرة آلاف جاءوا معه من المدينة و ألفان ممن أسلم من أهل مكة ، ف لما خرج الصحابة معه ، مروا بسدرة ، و السدرة : سجرة النبق ، السدر معروف ، فلما مروا بهذه الشجرة تذكروا ما كانوا يفعلون ، فقد كان من عادات المشركين كما ذكر إبن إسحاق ، أنهم يذهبون الشجرة يختارونها ، فيعلقون عليها الأسلحة ، يعلقون السيوف و الأسلحة على شجرة من الأشجار، و يقولون إنها إذا علقت على هذه الشجرة تكون السيوف أقوى و أمضى ، تأتيها من بركة السدر ما يجعلها قوية ماضية تقطع بشدة و تنفع عند الجلاد، فقالوا للنبي صلى الله عليه و سلم : (اجعل لنا ذات أنواط ) ما معنى ذات أنواط ؟ يعني شجرة ، ال شجرة هذه من السدر يعلق عليها السيوف يسمونها ذات أنواط. قالوا : (اجعل لنا سدرة ننوط ) يعني نعلق ، ينوطون يعني يعلقون، نعلق بها أسلحتنا حتى تكون أمضى و أقوى ، فهم طلبوا من النبي صلى الله عليه و سلم أن يجعل لهم شجرة يتبركون بها ففال النبي صلى الله عليه و سلم : ( الله أكبر) و هذا التكبير منه صلى الله عليه و سلم عند التعجب ، و هذا من السنة إذا تعجب الإنسان من شيء أو أكبر شيئاً أن يكبر ، ثم قال : (قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ) شبه الشرك الواقع في طلب التبرك بالشرك الحاصل لبني إسرائيل ثم قال صلى الله عليه و سلم هذه القاعدة : (لتركبن سنن من كان قبلكم ) السنن : هي الطريقة ، يعني لتتبعن طرقة من كان قبلكم ، معنى هذا إخبار من النبي صلى الله عليه و سلم بأن هذه الأمة ستقلد الأمم الماضية ، و سيكون عندها تشبه بالأمم السالفة ، هذا الحديث حديث صحيح ، و من مسائل التبرك نقول:
المسألة الأولى : قواعد التبرك :
القاعد الأولى : أن لا تثبت البركة في شيء إلا بدليل : ، لا يثبتها أحد في شيء إلا بدليل ، فإذا لم يد دليل على ثبوت البركة في شيء فإننا لا نعتقد فيه البركة . فإذا اعتقد الإنسان في شيء أن فيه بركة و ليس عليه دليل فقد خالف هذه القاعدة .
القاعدة الثانية : إن التماس البركة فيما ثبتت فيه البركة يكون بالطرق المشروع : التماس البركة فيما ثبتت فيه هذه البركة شرعاً لا بد أن يكون بالطرق المشروعة .
يعني معنى الأمر الأول أن لا نثبت أن هذا الأمر فيه بركة إلا بدليل ، مجرد كونه بركة لا نثبته إلا بدليل ، مثل ماذا ؟ هل نعتقد أن المسجد الحرام فه بركة ؟ المسجد الحرام فيه بركة ولا لا ؟ لا شك أن فيه بركة لآن الصلاة فيه بكم ؟ بمائة ألف صلاة ، فالخير فيه أثر و الخير فيه ثابت و هذا هو البركة لكن مع ذلك كيف نلتمس البركة ؟ نحن أثبتنا فيها البركة ، التماسنا للبركة في هذا الأمر لا بد أن يكون الطرق المشروعة ف تبركنا بالمسجد الحرام بالصلاة فيه، أما لو ذهب شخص يتمسح بجدران المسجد فقد طلب البركة و التمسها بطريق غير مشروع . فلا بد من أمرين (1) لا نثبت البركة إلا بدليل (2) ثم لا نلتمسها فيه هذا الذي أثبتنا فيه البركة إلا بطريق شرعي . هذه المسألة الأولى.
المسألة الثانية : أن التبرك ، طلب البركة ينقسم إلى :
(1) تبرك شركي (2) تبرك بدعي (3) تبرك شرعي .
(1) التبرك الشركي : هو صرف العبادة لغير الله طلباً للبركة ، كما يفعل المشركين في اللات و العزى و مناة فإنهم يصرفون لها العبادة طلباً للبركة. لو شخص ذبح ، ذهب إلى قبر رجل صالح و ذبح لهذا القبر لتأتيه البركة ، فهو صرف عبادة الذبح لغير الله طلباً لحصول البركة له ، هذا هو التبرك الشركي ، و هذا صرف عبادة لغير الله فيكون من الشرك الأكبر المناقض للتوحيد ، و مثل ذلك ما لو طاف إنسان على قبر و قصد ه من هذا الطواف أن تناله البركة فهنا صرف عبادة لغير الله لتحصيل البركة ، و هذا هو التبرك الشركي الذي يخرج الإنسان من الإسلام لأنه صرف عبادة لغير الله و العبادة لا تصرف إلا لله سبحانه و تعالى .
(2) التبرك البدعي : و هو تبرك مبتدع في الدين ، لكنه لا يخرج فاعله عن الإسلام ، وهو اعتقاد البركة فيما لم تثبت فيه بدليل أو أن نلتمس البركة بغير الطرق الشرعية مثل ماذا ؟ مثل من يستلم جدران الحرم ، أو يتمسح بمقام إبراهيم عليه السلام ، فهذا الذي يتمسح بها طلباً للبركة يمسحها و يضعها على بدنه لتعمه البركة ، هذا تلمس البركة بطريق غير شرعي فأن النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن يفعل ذلك ، لا هو و لا أصحابه ، و معلوم أن كل عبادة لم بفعلها المصطفى عليه الصلاة و السلام ففعل الإنسان لها بدعة ، مثل ذلك أيضاً تقبيل المصحف طلباً للبركة فيه ، لو أن إنسان أخذ مصحف و قبله يطلب البركة ، هذا من التبرك المبتدع ، أما لو قبل المصحف تعظيماً للقرآن فهذا ليس من التبرك المذموم ، هذه مسألة خلافية ، أما تقبيله طلباً للبركة لأجل أن يأخذ البركة منه فهذا من التبرك المبتدع . و مثل ذلك الحجر الأسود ل, إنسان ذهب إلى الحجر الأسود و استلم الحجر الأسود بقصد التبرك بالحجر الأسود ، فهذا تبرك مبتدع ، طيب كيف نستلمه نخن ؟ نحن نستلمه عبادة لله ، لا نقصد أن تأتينا البركة من لمسنا للحجر ، إنما بقصد العبادة فقط ، لذلك بعض الناس إذا استلم الحجر الأسود يمسح على ماذا ؟ يمسح على بدنه ، يظن أن البركة تحل على بدنه نمسح الحجر الأسود و الحجر الأسود إنما نستلمه طاعة لله و تقرباً إلى الله ، عبادة نفعلها ، فالتبرك بمعنى حصول البركة بالمسجد و لمس الحجر هذا تبرك مبتدع.
(3) التبرك الشرعي : وهو الذي تحققت فيه القاعدتان السالفتان : أن يثبت أن الشيء فيه بركة ، و أن نتلمسها بالطرق الشرعية.
والتبرك الشرعي يكون في أشياء : أنواع التبرك الشرعي الجائز المشروع:-
(1) الأول التبرك بالذات : و هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فإن من خصائص نبينا صلى الله عليه و سلم أن ذاته مباركة ، و أنه يجوز لنا تلمس البركة بأبعاضه عليه الصلاة و السلام، يعني نأخذ من ريق النبي صلى الله عليه و سلم ، و من شعره ، ومن دمه ، نأخذ منه صلى الله عليه و سلم و نتبرك به ، و هذا خاص بالنبي صلى الله عليه و سلم ، فإنه بعد موته لم يفعل ذلك الصحابة في خير هذه الأمة بعد نبيها و هو أبو بكر الصديق ، فغيره أبعد عن ذلك ، هذا هو التبرك الأول و هو التبرك بالذات و لا يكون إلا للنبي صلى الله عليه و سلم ، هذا الأمر انتهى الآن لأن النبي صلى الله عليه و سلم قد مات ، و آثاره انقطعت و فنيت ، و إلا لو وجدت لكنا نتبرك بها ، لكنها الآن قد انقطعت غير موجودة ، و كل ما يدعى من آثار النبي صلى الله عليه وسلم فهو ضرب أوهام ، فإن إثبات ذلك غير ممكن ، و إذا لم يثبت إن هذا من لآثار المصطفى ، لم يجز لنا أن نتبرك به .
(2) الثاني التبرك ببعض الأمكنة : مثل ماذا ؟ مثل المسجد الحرام ، فإن الصلاة فيه تضاعف مائة ألف صلاة ، و المسجد النبوي ، فإن الصلاة فيه تضاعف بألف صلاة ، و المسجد الأقصى، فإن الصلاة فيه مضاعفة ،و يشرع فيه شد الرحل، وكل مسجد كذلك فإن الصلاة فيه مضاعفة عن الصلاة في البيت بخمس و عشرين ضعف. هذا الأمكنة مباركة بالشرع.
(3) الثالث التبرك ببعض الأزمنة : فإن الشرع جاء ببركة بعض الأزمنة ، فرمضان مثلاً تضاعف فيه العمرة ، فالعمرة فيه تعدل حجة ، و شرع فيه نية الصيام والقيام و تكفير الذنوب ، و من ذلك عشرة من ذي الحجة ، فإنها أيام مباركة العمل الصالح فيها أحب إلى الله تعالى منها فيما سواه من الأيام.
(4) الرابع التبرك ببعض الأطعمة : من التبرك الشرعي التبرك ببعض الأطعمة فإن النبي صلى الله عليه و سلم أخبرنا عن ماء زمزم ، و أنها مباركة و أنها طعام طعم و شفاء سقم ، و العسل كذلك فيه شفاء و هذا من بركة العسل ، و كذلك زيت الزيتون ، فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ( كلوا من الزيتون و ادهنوا به فإنه من شجرة مباركة). و الله تعالى يقول : (شجرة مباركة زيتونة ) ، و مثل اللبن فإن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا شرب اللبن ، قال : ( في بيتنا بركة ).
(5) الخامس التبرك ببعض الأفعال : من التبرك المشروع التبرك ببعض الأفعال، فإن في بعض الأفعال بركة ، مثل ماذا ؟ مثل طلب العلم ، طلب العلم فيه بركة لآن الإنسان يحصل به أجراً عظيماً بطلبه للعلم ، فطلب العلم أفضل من نوافل العبادات ، و مثل الجهاد فإن في الجهاد فضلاً عظيماً و بركة كبيرةً ، و مثل قيام الليل فإن فيه بركة ، و يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بقيام الله فإنه دأب الصالحين قبلكم و مطردة للداء عن الجسد ) .
(6) السادس التبرك ببعض الهيئات : فإن الشرع اعتبر بعض الهيئات مباركة، مثل الاجتماع على الطعام فأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( اجتمعوا على طعامكم ، و اذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه ) ، و كذلك الأكل من جوانب الصجفة ، من جوانب الإناء و أن لا يأكل من أعلى أو وسل الإناء إنما يأكل من كرفه. فالنبي صلى الله عليه و سلم يقول : ( كلوا من جانب الصحفة فإن البركة تنزل في أعلاها ) .
هذه أمثلة لأنواع التبرك المشروع و فيها غنى بإذن الله تعالى عن غيرها من أنواع التبرك .
المهم في هذا الباب أن نعرف هذه القاعدة : (1) ألا نثبت البركة في شيء إلا بدليل أيضاً ، (2) و أن لا نلتمس هذه البركة إلا بدليل أيضاً .
و في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه رضي الله عنه كما ذكر ابن سعد في الطبقات ،: كان بعض الناس يذهب إلى الشجرة التي بايع عندها النبي صلى الله عليه و سلم أصحابه بيعة الرضوان ، فكان يلتمس الصلاة عندها ، فقام عمر رضي الله عنه فتوعد الناس و قطعها ، قطع هذه الشجرة و هذا لمنع التعلق بهذه الشجرة و طلب البركة منها ، و هذا لأنه لم يشرع عن النبي صلى الله عليه و سلم ، لم يرد عن المصطفى عليه الصلاة و السلام أنه التمس البركة بالصلاة عندها ).
avatar
الغريب
Admin

عدد المساهمات : 114
نقاط : 319
تاريخ التسجيل : 23/02/2012
العمر : 43
الموقع : الرياض

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mh1398.allgoo.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

باب ما جاء الذبح لغيرٍ الله

مُساهمة من طرف الغريب في الأربعاء مارس 28, 2012 3:41 pm

باب ما جاء الذبح لغيرٍ الله

و قول الله تعالى :(قل إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين لا شريك له)
و قوله : فصل لربك و انحر)
وعن على رضي الله عنه قال: (حدثني رسول الله صلى الله عليه و سلم بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله ، لعن الله من لعن والديه ، لعن الله من آوى محدثاً ، لعن الله من غير منار الأرض ) رواه مسلم
و عن طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( دخل الجنة رجل في ذباب و دخل النار رجل في ذباب ، قالوا :كيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحج حتى يقرب له شيئاً ، فقالوا لأحدهما : قرب ، قال : ليس عندي شيء أقرب ، قالوا : قرب و لو ذباباً ، فقرب ذباباً فخلوا سبيله ، فدخل النار . و قالوا للآخر: قرب فقال : ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز و جل ، فضربوا عنقه فدخل الجنة ) رواه أحمد.
ــــــــــــــــــــــــــــ

هذا الباب عقده المؤلف رحمه الله تعالى في بيان أن الذبح لله تعلى عبادة ، و صرفها لغير الله شرك ، و ذكر المؤلف فيها آيتين و حديثين الآية
قوله تعالى : (قل إن صلاتي و نسكي ) ، النسك : يطلق على الذبيحة ، يعني ذبح . و يطلق أيضاً على العبادة ، عموماً فالتنسك هو التعبد. و معنى الآية :أن الصلاة و العبادة و الذبح و الحياة كلها لله و كذلك يموت على الإيمان بالله تعالى ، يحيى و يموت على الإيمان بالله ، هذا هو المعنى.
و في قوله (فصل لربك و انحر ) ، صلِّ : يعني أدعو ، أو صلي الصلاة المعروفة التي هي الأقوال و الأفعال المعقودة . و انحر : يعني و اذبح لله . و الأمر بها يدل على أنها عبادة ، فإن كل ما أمر الله تعالى به فهو عبادة ، لأنه يدل على أنه مرضي لله و محبوب له و العبادة أسم لكل ما يحبه الله تعالى.
و في حديث على رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه مسلم ، قال : ( حدثني رسول الله صلى الله عليه و سلم بأربع كلمات) الكلمة في اللغة تطلق على الجملة ، و كذلك يقول ابن مالك في الألفية: (وكلمة بها كلام قد يؤم)؟؟ يعني الكلمة تطلق لا يراد بها اللفظ المفرد ، إنما يراد بها الجملة الكاملة.
هذه الكلمات الأربع التي حدثه بها النبي صلى الله عليه و سلم :
(1) الأولى : (لعن الله من ذبح لغير الله ) لأن الذبح لغير الله شرك أكبر ينافي التوحيد .
(2) الثانية : ( لعن الله من لعن والديه ) ، سواءً لعنهما مباشرةً ، أو لعن والدي شخصاً آخر فهذا الشخص الآخر لعن والديه. كما قال النبي صلى الله عليه و سلم : ( إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه ، قالوا : و كيف يلعن الرجل والديه ؟ قال : يسب أبا الرجل فيسب أباه ، و يسب أمه فيسب أمه) .
(3) الثالثة : (لعن الله من آوى محدثاً ) ، يعني تستر عليه و أخفاه عنده ، و أيده و نصره.
(4) الرابعة :( لعن الله من غير منار الأرض ) منار الأرض : هي العلامان و تكون في موضعين:
1- الأولى : تكون علامة لحفظ أو لتبيين حد أرض رجل لرجل آخر، تكون لرجلين أرض و بينهما يحددان علامات حتى لا يدخل أحدهما إلى الآخر ، و لا يعتدي أحدهما على أملاك الآخر .
2- الثاني :و تستعمل العلامات هذه أيضاً المنار لإيضاح الطرق للمسافرين ، و بيان مواضع المياه و مواضع الراحة و نحو ذلك ،
و هذا بيان الكبائر من الذنوب . لعن المصطفى عليه الصلاة و السلام من فعلها و اللعن هو الطرد و الإبعاد من رحمة الله . و ينقسم اللعن إلى قسمين : لعن تام و لعن ناقص .
1- اللعن تام : هو خاص بأهل الشرك و معناه إبعادهم عن رحمة الله مطلقاً فهم خالدون في النار، و هذه بالنسبة لهذا الحديث خاص بالجملة الأولى ، و هي لعن الله من ذبح لغير الله .
2- اللعن الناقص :و قد يكون اللعن ناقضاً ، بمعنى الطرد و الإبعاد عن رحمة الله حتى يعذب و يعاقب ، ثم تشمله الرحمة بعد ذلك ، و هذا يكون في كبائر الذنوب التي دون الشرك.
ذكر بعد ذلك حديث طارق بن شهاب ، و المؤلف أما وهٍمَ أو نقل هذا الحديث على بعض أهل العلم خطاءً ، فإن هذا الحديث أخرجه أحمد في كتاب ا لزهد من حديث طارق بن شهاب ، عن سلمان رضي الله تعالى عنه، و لم يخرجه من حديث طارق مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه و سلم . فليس هذا الحديث من قول النبي صلى الله عليه و سلم ، إنما هو من قول سلمان الصحابي موقوف عليه ،و الحديث الموقوف هو الذي من قول الصحابي لم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث إسناده إن شاء الله صحيح ، لكنه موقوف على سلمان ، و ليس بمرفوع بل هو من قول سلمان من نفسه و ليس مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام ،كما أنه من مسند سلمان و ليس من مسند طارق بن شهاب رضي الله عنه ، إنما رواه عن سلمان . حديث طارق بن شهاب الذي قلنا أن صوابه حديث سلمان يقول ( دخل الجنة رجل في ذباب و دخل النار رجل في ذباب ) و الذباب شيء يسير فاستغرب الصحابة من ذلك ، فأخبرهم النبي صلى الله عليه و سلم أن سبب ذلك أن أحدهما قرب لغير الله ذباباً فلما قرب لغير الله ذباباً صار صارفاً العبادة لغير الله فصار مشركاً ، فدخل النار ، الآخر امتنع أ، يقرب شيئاً لغير الله تعالى ، و قال : القرابين لا تقدم إلا لله تعالى ، فلما قتلوه دخل الجنة لأنه موحد ، هذا معنى الحديث . و في الذبح لغير الله مسائل و فوائد:
المسألة الأولى : أن الذبح عموماً ينقسم إلى قسمين : (1) ذبح عادة (2) ذبح عبادة .
(1) ذبح العادة : هو ذبح البهائم بقصد الانتفاع بلحمها ، أكلاً أو بيعاً أو نحو ذلك ، كما لو جاء أنساناً صيف أو أراد أن يأكل هو و أولاده أو نحو ذلك .
(2) ذبح العبادة : يقصد به التقرب إلى الله تعالى بالذبح في الأضاحي و الهدي و نحو ذلك.
المسألة الثانية مسألة فقهية : ثم الذبح إما أن يراد به التمتع و الانتفاع باللحم المذبوح ، اللحم من الحيوان المذبوح ، و هذه مسألة فقهية ، قد يكون مستحباً , قد يكون مكروهاً للإسراف ، و قد يكون مستحباً عند إكرام الضيف ، و قد يكون مباحاً ، وقد يقع الذبح لا يقصد به الانتفاع من اللحم إنما التقرب والتعظيم للمذبوح له بنفس الذبح و هذا هو العبادة التي لا تصرف إلا لله تعالى فإن الله تعالى تتقرب إليه بنفس الذبح و هي عبادة لا تصرف إلا لله و من صرفها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر، و الذبح ليكون فيه شرك أصغر أبداً بل هو شرك أكبر ، إما أن تذبح لله أو أن تذبح لغير الله و لا يرد فيه الشرك الأصغر لأنه عبادة ، و قلنا أن العبادة صرفها لغير الله شرك أكبر.
و من أمثلة الذبح لغير الله : ما يقع من بعض الناس يذبح إذا بنى بيتاً جديداً أو سكن في بيت جديد ، يذبح ذبيحة بقصد أن يتخلق من الجن ، يقول : إذا ذبحت ذبيحة للجن امتنعوا عن إيذائي و إضراري فهذا ذبح و قصده تعظيم الجن. و مثل من يذبح و يقدم الذبح قرباناً لبعض القبور ، و منه مثلا الذبح عند طلعة الولي ، أو الحاكم ، أو السلطان ، إذا مر هذا الشخص المعظم إما أن يكون حاكماً أو سلطاناً أو أميراً أو مثلاً ولياً أو رجلاً صالحاً إذا مر بقوم ذبحوا الذبائح عند مرورهم يقصدون بهذا أن يكرموه و يعظموه بنفس الذبح لأنه لن يأكل عندهم و هذا من الشرك الأكبر كما قرره الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى في واقعة تجدونها في فتواه رحمه الله هذا مجمل الكلام في الذبح.
بقيت هنا مسألة ثالثة : في حديث طارق بن شهاب ، و هي أنن قدمنا سابقاً في الدرس الأول ، أ، الإكراه عذر لإظهار الشرك ، فلو أن إنساناً أكره و قيل له أما أن تسجد لغير الله أو نقتلك ، فإنه يجوز له أن يظهر الشرك ، يسجد لغير الله و قلبه مطمئن بالإيمان . ليدفع عن نفسه القتل ، سبق هذا معنا ، و مع ذلك فهنا في هذا الحديث ، أنهم قالوا : قرب و إلا قتلناك ، فلما قرب دخل النار و هذا دليل على أنه لم يعذر بالإكراه ، و الجواب عن ذلك عن هذا الإشكال ، أن العذر بالإكراه من خصائص ديننا ، أما الأمم السابقة ،فكان عندهم المكره لا يعذر ، يدل لذلك حادثة أصحاب الكهف ، فإن أصحاب الكهف قالوا : ( إنهم إن يطهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم و لن تفلحوا إذاً أبدا ) إذا لماذا أصحاب الكهف ما ذهبوا إلى قومهم و قالوا نحن معكم بألسنتهم و أخفوا الأيمان في قلوبهم ، يها يجوز للمسلم عند الخوف ، لكن أصحاب الكهف ما فعلوا ذلك لأنه في شرعهم إذا أظهر الإنسان الكفر فإنه كافر و لا يعذر الإكراه ، و يشهد لهذا دليل الخطاب في قول النبي صلى الله عليه و سلم ، (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه ) فالله تجاوز عن من الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه ؟ عن الأمة هذي ، و هذا من جملة الإصر الذي رفعه الله تعالى عن هذه الأمة ، فمن رحمة الله تعالى بهذه الأمة أنه وضع عنها الإصر و الأغلال. كما قال تعالى : (و يضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهم ) فالأمم السابقة كانت عليهم أغلال من نحو هذا و من رحمة الله تعالى بهذه الأمة المحمدية الخاتمة لجميع الرسالات أنه تجاوز عن المكره فعذره و رفع عنه المؤاخذة .
لكن الشاهد في هذا الحديث أن الذبح و التقرب لغير الله شرك ، و هذا مشترك في هذه الأمة و في الأمم السابقة ، فإن قضايا أصول العقيدة ليس فيها خلاف بين جميع رسالات الأنبياء ، لكن هذه الأمة اختصت بأنه يعذر المكره و الأمم السابقة لم يكن المكره معذوراً فيها و يشهد أيضا لهذا المعنى قول الله تعالى عن آدم : (و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ) مع أن الله تعالى أخبر أن آدم عصى و هذا يدل على أن النسيان _ جنس النسيان – لم يكن مرفوعاً عن الأمم السابقة ، و يشهد لهذا أيضاً أن الله تعالى قال في آخر سورة البقرة ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) قال تعالى : (قد فعلت ) و هذا دليل على أن جنس الدعاء بمثل هذا الأمر سائر و وارد .
على كل المراد أن الذبح لغير الله شرك و من صرف الذبح لغير الله بقصد التقرب والتعظيم للمذبوح له فقد وقع في الشرك الأكبر .

و ذكر المؤلف باباً نختم به درسنا اليوم ، و هو قوله :-

باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغيرٍ الله

و قوله تعالى : ( لا تقم فيه أبداً ) الآية .
عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال : ( نذر رجل أ، ينحر إبلاً ببوانه ، فسأل النبي صلى الله عليه و سلم ، فقال : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ قالوا: لا . قال : فهل كان فيها عيدٌ من أعيادهم ؟ قالوا : لا ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ، ولا فيما لا يملك ابن آدم .رواه أبو داود ، و إسناده على شرطهما.
ــــــــــــــــــــــــــ

بعد أن ذكر المؤلف أنه لا يذبح لغير الله ، و أن الذبح لغير الله شرك أكبر ، أتبعه بهذا الباب فلا تذبح لله بمكان يذبح فيه غيرك لغير الله .
و ذكر قوله تعالى : (لا تقم فيه أبداً ) الآية .
فإن هذه الآية نزلت في مسجد الضرار ، فإن المنافقين بنوا مسجداً ليضاروا به المسلمين :
أولاً : يجتمع فيه المنافقون ، و يكون مرصداً للتخطيط لأعمالهم السيئة.
ثانياً :ليضاروا به مسجد قباء ،فيقل المصلون في مسجد قباء لوجود هذا المسجد فأمر الله تعالى نبيه ألا يقوم فيه أبداً، وهكذا كل موضع جعل لمعصية ولمضارة فإنه لا يشرع للمسلم أن يقوم فيه بعبادة .
ثم ذكر بعد ذلك حديث ثابت بن الضحاك ، أن رجلاً أن سأل النبي صلى الله عليه و سلم فقال إنه نذر أن يذبح إبلاً في موضع يقال له بوانة ، و هذا الموضع فيل أنه قرب ينبع ،و قيل بأسفل مكة ، على كل حال نذرأن يذبح في ذلك المكان إبلاً ، فسأل النبي صلى الله عليه و سلم ، سأل النبي عن أمرين : قال (هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يعبد ؟ ) لأن الأوثان كان المشركون يذبحون عندها لهذه الأوثان ،و هذا السؤال محل الشاهد من الحديث ، فإنه لو كان فيها وثن لما أذن له النبي صلى الله عليه و سلم أن يذبح قال : لا قال : (هل كان فيها عيدُ من أعيادهم ؟ ) قالوا : لا قال : (أوف بنذرك ) . فلو لم يكن هذان الشرطان موجودان لما أذن له النبي صلى الله عليه و سلم بالوفاء بنذره . هذا الحديث صحيح ، وقول المؤلف إسناده على شرطهما يعني إسناده على شرط البخاري و مسلم ، و معنى قول أهل العلم على شرط البخاري و مسلم يعني أن يكون الحديث مروياً عن طريق رجال الكتابين مع مراعاة الكيفية التي إلتزمها الشيخان في الرواية عنه ، الرجال الذين في إسناد الحديث هم نفس الرجال الذين يروي عنهم البخاري ، و الكيفية التي يروون بها هي نفس الكيفية التي يلتزمها الشيخان في كتابيهما الصحيحين. هنا مسائل :
المسألة الأولى : العيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل هذا الرجل هل كان في بوانة عيد من أعياد الجاهلية ، و العيد : إسم لما يتكرر من الاجتماع المعتاد فعيد الفطر لأنه يتكرر كل سنة على وجه العادة والأضحى عيد كذلك ، فهذه الأعياد تنقسم إلى قسمين :-
1- أعياد زمانية :
2- وأعياد مكانية :
أعياد زمانية تنقسم أيضاً إلى قسمين :
1- أعياد زمانية شرعية .
2- أعياد زمانية بدعية.
الأعياد الزمانية الشرعية هي :
1- عيد الفطر.
2- عيد الأضحى.
3- الجمعة.
الأعياد الزمانية البدعية :
1- نحو الاجتماع لإقامة مولد للنبي صلى الله عليه و سلم ، فإنه لم يشرع ، و لم يكن من أعمال المصطفى عليه الصلاة و السلام.
2- و مثل إقامة احتفال متكرر لشيء معين كولادة ولي أو رجل صالح أو أسبوع لذكرى أحد العباد الصالحين أو نحو ذلك .
أما الأعياد المكانية : فهي المكان الذي يعتاد الاجتماع فيه وهو ينقسم أيضاً إلى :-
1- أعياد مكانية شرعية .
2- أعياد مكانية بدعية .
الأعياد المكانية الشرعية :هي عرفات ومزدلفة ومنى فإنها مكان يحصل فيه الاجتماع المتكرر المعتاد ، و قد جاء الشرع بها فلذلك صارت اجتماعات مكانية و أعياد مكانية شرعية .
أما الأعياد المكانية البدعية : فمثل ماذا ؟مثل اعتياد زيارة قبر النبي صلى الله عليه و سلم مثلاً كل أسبوع ، لو الإنسان جعل من عادته أن يزور القبر النبوي كل أسبوع ، هذا عيد مكاني بدعي لم يكن من هي الصحابة أنهم يزورون قبر النبي صلى لله عليه و سلم كل أسبوع ، لكن لو إنسان ذهب إلى مسجد قباء في كل أسبوع فها هذا عيد مكاني بدعي ؟ لا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور و يصلي في قباء و يزور البقيع كذلك ، زيارة البقيع كانت متكررة منه صلى الله عليه و سلم .
والباب خلاصته أنه لا يجوز للإنسان أ، يتشبه بالمشركين ، فيتعبد الله بمكان يتعبدون فيه لغير الله،ولا يذبح لله بمكان يذبحون فيه لغير الله .لأن هذا يدعو إلى الشرك هذا أولا التزامه بدعة و يخشى أن يكون ذريعة إلى الشرك ، فإن من اعتاد مشابهة المشركين وقع فيما يقعون فيه.
هذا الباب الثالث و به نختم الكلام على هذه الأبواب الثلاثة و نكمل ما تبقى بإذن الله في الدروس القادمة و نصلي و نسلم على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين .

بسم الله و الحمد لله و الصلاة و لسلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى :-
avatar
الغريب
Admin

عدد المساهمات : 114
نقاط : 319
تاريخ التسجيل : 23/02/2012
العمر : 43
الموقع : الرياض

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mh1398.allgoo.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

باب من الشرك النذر لغيرٍ الله

مُساهمة من طرف الغريب في الأربعاء مارس 28, 2012 3:43 pm

باب من الشرك النذر لغيرٍ الله
و قول الله تعالى : ( يوفون بالنذر )
و قوله تعالى : ( و ما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه و ما للظالمين من أنصار ).
و في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من نذر أن يطيع الله فليطعه و من نذر أن يعص الله فلا يعصه ).
ــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الباب أورده المؤلف رحمه الله تعالى في سياق أبوابه في بيان جملة من أنواع الشرك .
قال : (من الشرك النذر لغير الله ) معناه أن من أنواع الشرك الأكبر النذر لغير الله
و النذر : في اللغة الإلزام ، و قد جاء الشرع بجعل النذر بمعنى : إلزام المكلف نفسه طاعة غير واجبة تعظيماً للمنذور له ، فيلتزم المكلف بطاعة معينة تعظيماً للمنذور له .
و هذا النذر لله عبادة ، و يدل لذلك ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب فإنه أورد الآية : وهي قوله تعالى :( يوفون بالنذر )وهذه الآية جاءت في سياق مدح والثناء على من يوف بالنذر و إذا أثنى الله تعالى على من يوف بالنذر دل ذلك على أنه محبوب له، وكل شيء محبوب لله فهو عبادة.
و كذلك الآية الأخرى و هي فوله تعالى ( و ما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه و ما للظالمين من أنصار ) فإن قوله ( فإن الله يعلمه ) يعني فيجازيكم يه ، فإذا كان الله تعالى قرن النذر الإنفاق ، و بين أن الله تعالى يجازي العبد على نذره دل على أن النذر عبادة ، و إذا كان عبادة فإنها لا تصرف إلا لله تعالى ، لأنه لا معبود سواه ، و صرفها لغير الله شرك أكبر ، ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها ، قال و في الصحيح و سبق بعنا أن المؤلف رحمه الله إذا قال في الصحيح فهو يقصد أحذ ثلاثة أمور :-
1- إما أن البخاري أخرجه في صحيحه.
2- أو إما أن مسلماُ أخرجه في صحيحه .
3- أو أنه من الأحاديث الصحيحة ، إذا قال في الصحيح يعني في الحديث الصحيح، فلا يلزم من كلمة في الصحيح عند المؤلف أن يكون قد أخرجه البخاري الو مسلم . أما غالب المصنفين فإنهم إذا قالوا في الصحيح فهم يقصدون البخاري و مسلم .أما المؤلف هنا فإنه قد يذكر هذه الكلمة و يعني بها الحديث الصحيح.
هذا الحديث أخرجه البخاري فقوله في الصحيح يعني في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ، و من نذر أن يعصي الله فلا يعصه ) . و أمره صلى الله عليه و سلم بالطاعة للمنذور ة ، بأداء الطاعة المنذورة دليل على أن هذا النذر عبادة يجازى فاعلها ، و هذا يكفي في إثبات كونها عبادة ، و إذا ثبت أن النذر عبادة ، فإنها لا تصرف إلا لله تعالى ، و صرفها لغير الله شرك أكبر ، و طريقة صرفها لغير الله أن يقول مثلاً شخص إن شفي مريضي فللقبر الفلاني شاة أذبحها عنده ، أو إن شفي مريضي فللولي الفلاني زيت ، أو يقول إن شفي أو إن نحج ابني أو إن نجحت أو نحو ذلك ، فالوثن الذي يعظم بالشيء الفلاني ، هذا النذر لهؤلاء صرف النذر لغير الله فيكون شركاً أكبر محرجاً من الإسلام ، و هذا ما كان عله حال الشركين في الزمن الأول فإنهم ينذرون لأصحاب القبور ، وفي هذا الزمن يوجد النذر لغير الله في كثير من المجتمعات المشركة ، فيوجد من ينذر لأصحاب القبور كالبدوي في مصر مثلاً ، و ابن عربي في سوريا في بلاد الشام ، أو علي بن أبي طالب رضي الله عنه في العراق ، أو غيرها من القبور التي تعظم عند أهل الجهل والشرك ، ويصرف النذر لها ، وصرف النذر لها شرك أكر مخرجاً من الإسلام .
هذا هو مجمل ما في ا لباب ، بيان أن النذر عبادة و صرفها لغير الله شرك أكبر مخرج من الإسلام ، و ليس في صرف النذر شرك أصغر ، بل كله شرك أكبر لأن صرف عبادة لغير الله شرك أكبر فقط و لا يكون فيه أصغر.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :
باب من الشرك الإستعاذة بغيرٍ الله
و قوله تعالى : ( و أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ).
عن خولة بنت حكيم رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( من نزل منزلاً فقال : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك ) رواه مسلم.
ـــــــــــــــــــــــــــ
يقول المؤلف ( باب من الشرك الإستعاذة بغير الله )
الإستعاذة : معناه طلب الإعاذة ، فإن الألف و السين والتاء تدل على الطلب فإذا دخلت على الكلمة دلت على الطلب ، استعاذة يعني طلب الإعاذة الإستغاثة يعني طلب الإغاثة ، و هكذا الإستفهام طلب الإفهام ، الألف و السين والتاء تدل على الطلب .
يقول المؤلف ( باب من الشرك الإستعاذة بغير الله ) يعني طلب الإعاذة ، و الإعاذة معناها الحماية من المكروه ، فمعنى الإستعاذة : طلب الحماية من المكروه ، فإذا استعذت بشيء ، طلبت من شيء أن يحميك من مكروه ، قد استعذت به ، و هذه الإستعاذه فيها تفصيل سنذكره بعد تلاوتنا للباب.
ذكر المؤلف آية و حديثاً فذكر قوله تعالى ( و أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً ) هذه الآية من جملة ما ذكر في سورة الجن عن الأعمال التي كانت تقع من الإنس و الجن ، قال : ( و أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ) يعني يطلبون من الجن أن يحموهم من المكروه ، و قد كان من عادة الناس في الجاهلية إذا نزلوا الأودية و خافوا من تسلط الجن عليهم قالوا : نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه . فهم يخاطبون الجن مع كون الجن لم يخاطبوهم أصلاً ، و يطلبون منهم أن يحموهم من المكروه ، يقولون نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، يعني يعوذون بسيد و زعيم الجن من سفهاء أتباعه الذين يخيفون الإنس, قال تعالى ( فزادوهم رهقا ). قيل معنى زادوهم رقها : زاد الإنس الجن رهقا، فيكون الواو ضمير عائد على الإنس و الهاء ضمير عائد على الجن، يغني زاد الإنس الجن رهقاً فلما استعاذ الإنس بالجن تكبر الجن و استعظموا لأنهم رأوا الإنس يعوذون بهم . و قال بعض السلف : بل المعنى زاد الجن الإنس رهقاً فيكون الواو ضمير عائد على الجن , الهاء ضمير عائد على الإنس ، و يكون المعنى أن الدن لما رأوا الإنس يخافون منهم و يعوذون بهم زادوا في إيذائهم و التسلط عليهم ، و أكثر المفسرين على المعنى الأول ، على كل هذه الآية بيان لما كان عليه المشركون أنهم كانوا يعوذون الجن و مع ذلك هذه الإستعاذة مضرة لهم غير نافعة.
ثم ذكر المؤلف حديث خولة بنت حكيم رضي الله عنها ، و فيه : (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من نزل منزلاً فقال : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يترك منزله ذلك .)

(أعوذ) : يعني التجئ و أحتمي و اعتصم . .( كلمات الله التامات) : يعني الكاملات ،( من شر ما خلق ) إذا قالها الإنسان لم يضره شيء حتى يرحل من ذلك المنزل ، و سواء كان نزوله نزولا دائما كمن يسكن في بيت مثلا ، أو كان النزول مؤقتا طارئاً ، كمن يركب طائرة مثلاً هذا نزول طارئ مؤقت لأن حديث النبي صلى الله عليه و سلم عام . (من نزل منزلاً ) من أداة شرط ، منزلاً نكرة ، و النكرة في سياق الشرط تفيد العموم ، فيدل على أن من نزل أي منزل فقال هذا الدعاء فإنه لا يضره شيء. و قد ذكر القرطبي رحمه الله تعالى ، أن هذا الحديث مع كونه صحيحاً فإنه مجرب قال : فإني منذ سمعته ما تركت هذا الذكر في كل منزل أنزله ، حتى لدغتني في ليلة من الليالي عقرب ، فتفكرت في حالي فإذا أنا قد نسيت هذا الدعاء ، و هذا من بركات هذا الدعاء النبوي الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته.
مضمون هذا الباب أن الإستعاذة و هي طلب الحماية من المكروه ، لها أقسام :
(1) القسم الأول الإستعاذة بالله تعالى : و هي عبادة من العبادات التي يؤجر فاعلها و يثاب عليها ، و قد أمر الله تعالى نبيه بها ، قال تعالى : (قل أعوذ برب الفلق) . و قال :( قل أعوذ برب الناس ) ، فقد أمره أن يستعيذ بالله تعالى والذي هو رب الناس و رب الفلق .
(2) النوع الثاني الإستعاذة بصفة من صفات الله تعالى : أن يطلب الإنسان من صفة من صفات الله تعالى أن تحميه يقول : ( أعوذ بكلمات الله التامات ) فلا يدعو الصفة لأن دعاء الصفة شرك إنما يستعيذ بهذه الصفة ، يقول : ( أعوذ بكلمات الله التامات ) كما جاء في هذا الحديث و نحو : (أعوذ بعزة الله و قدرته من شر ما أجد و أحاذر ) و مثل ( أعوذ بنور وجهك ) هذه كلها نصوص جاءت في الإستعاذة بصفة من صفات الله تعالى ، فالإستعاذة بالصفة لا مانع منها ، و من صفات الله تعالى الكلام و الكلام صفة من صفات الله فيجوز للمسلم أن يستعيذ بها و نص هذا الحديث الذي بين أيدينا.
(3) القسم الثالث الإستعاذة بالحي الحاضر القادر : هذه ثلاثة شروط ، الإستعاذة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه ، يكون حي و حاضر ، و يقدر على الإعاذة فإذا اجتمعت هذه الشروط ، فإنه يجوز للمسلم أن يستعيذ بالحي ، ألحي أن لا يكون ميتاً ، الحاضر أن لا يكون غائباً ، إذا كان الإنسان غير موجود ، و ذهبت تناديه تقول : أعذني يا فلان ، و فلان هذا في مكة و أنت في جدة ، ليس حاضراً عندك ، و لا يسمع صوتك ، هذا ما دام ليس بحاضر عندك فلا تستعيذ به ، كذلك القادر ، لا بد أن يكون قادراً مثل إنسان يستعيذ بطفل من أسد هجم عليه ، أو سبع فيستعيذ بطفل عنده ، الطفل هذا لا يقدر أن يحمي نفسه حتى يعيذ غيره ، أو يكون إنساناً يغرق فيستعيذ بشخص معاق ، لا يستطيع السباحة ، هذا غير قادر لا يستعاذ به ، إنما يستعاذ بالحي الحاضر القادر ، جائزة لا مانع منها ، و قد يستعيذ الإنسان بمكان يعيذه ، و لا مانع منه أيضاً ، مثل من خشي السيل من المطر فذهب إلى مكان مرتفع ، و قد جاء في الحديث ( يعوذ عائذ بالحرم )، يعني يحتمي رجل الحرم ، و جاء في حديث الفتن في آخر الزمن (من استشرف لها استشرفت له ، و من وجد معاذاً فليعذ به ) يعني من وجد حماية عن الفتن فليحتمي عنها ، و جاء في حديث المخزومية التي سرقت و ذهبت إلى أم سلمة فاستعاذت بها ، ذهبت ألى أم سلمة و قالت أعوذ بك من قطع يدي.
(4) القسم الرابع الإستعاذة الأموات : أو بالأحياء غير القادرين أو غير الحاضرين ، و هذه شرك أكبر مخرج من الإسلام ، لأنها صرف للعبادة لغير الله تعالى ، فإذا استعاذ إنسان بميت ، صاحب قبر ، قال : أعوذ بك من فلان الظالم ، بهذه الكلمة يخرج من الإسلام ، لأنه صرف العبادة لغير الله ، أو استعاذ بحي غير حاضر و غير قادر ، مثل إنسان يقيم في هذه البلاد فقال : أعوذ بالولي الفلاني الساكن في الرياض أو في مكة أو في المدينة ، هذا الشخص لا يسمعه ، و ليس حاضراً عنده ، هذا أيضاً من الشرك الأكبر المخرج من الإسلام ، لأن الإستعاذة عبادة أمر الله تعالى بها ، و أمر بها النبي صلى الله عليه و سلم ، و دل عليها فضلها في مثل قول الله تعالى : ( قل أعوذ ) فالله أمر بها ، و إذا أمر بها فهو عبادة و العبادة لا تصرف إلا لله ، قلنا إلا الإستعاذة بالحي القادر الحاضر ، فهذه وردت من مثل استعاذة المخزومية بأم سلمة فتجوز و يبقى ما عداها لا يصرف إلا لله تعالى . هذا مجمل الكلام على هذا الباب من أبواب كتاب التوحيد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى :
باب من الشرك أن يستغيث بغيرٍ الله أو يدعو غيره
و قول الله تعالى : ( و لا تدع من دون الله ما ينفعك و لا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين ، و إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ) الآية .
و قوله : ( فابتغوا عند الله الرزق و اعبدوه ) الآية .
و قوله: (و من أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة )الآيتان.
و قوله : (أمن يجيب المضطر إذا دعاه و يكشف السوء ).
و روى الطبراني بإسناده : ( أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه و سلم مناف يؤذي المؤمنين ، فقال بعضهم : قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه و سلم من هذا المنافق ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : إنه لا يستغاث بي ، و إنما يستغاث بالله ).
ــــــــــــــــــــــــــــ
يقول المؤلف رحمه الله تعالى : (باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره),
الإستغاثة : هي طلب الغوث قلنا إن الألف و السين و التاء تدل على الطلب ، فالإستغاثة طلب الغوث : وهو الإنجاء من الشدة و الهلاك ، فمعنى طلب الغوث ، معنى الإستغاثة ، طلب الإنجاء من الشدة و الهلاك. ذكر المؤلف أيضاً (باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره) .
الدعاء : هو الطلب و النداء ، و الدعاء أنواع و من أنواعه الإستغاثة ، فإنك تدعو الله تعالى في حال الشدة و في حال الرخاء ، فإذا دعوته في حال الشدة تطلب أن ينجدك و ينجيك من الهلاك كان استغاثة ، و إذا كان في غير هذا فهو دعاء ، فالإستغاثة جزء من الدعاء و لذا فتبويب المؤلف هنا عطف العام على الخاص العام هو الدعاء والخاص هو الإستغاثة .
و معنى الباب : باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره) ذكر المؤلف آيات الآية الأولى : قوله تعالى : (و لا تدع من دون الله ما لا ينفعك و لا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين ) معنى الظالمين يعني المشركين لأن الشرك ظلم عظيم ، كما تقدم .
ثم ذكر المؤلف كلام إبراهيم عليه السلام لما قال لقومه (فابتغوا عند الله الرزق و اعبدوه ) .و ابتغاء الرزق معناه دعاء الله و دعاء الله إذا كان مأموراً به فهو عبادة فلا تصرف إلا لله .
ثم ذكر المؤلف الآية الثالثة قوله : ( و من أضل ) يعني لا أحد أضل ، أشد الناس ضلالاً هو هذا. (و من أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة ) فإن هؤلاء الذين يدعون الأصنام و الأوثان , أصحاب القبور لا يستجيبون لهم ، لا يجيبونهم ، لا يسمعونهم و لا يحققون لهم ما طلبوا . ( و هم عن دعائهم غافلون ) لا يعلمون أصلاً أن هؤلاء يدعونهم و يسألونهم و يستنجدون بهم ، ثم يوم القيامة (إذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ) صار هؤلاء الذين يستغيثون بهم و يسألونهم و يدعونهم ينكرون أنهم سمعوهم و ينكرون عبادتهم ، و يقولون نحن نبرأ إلى الله منكم كما قال تعالى : ( و إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا و رأوا العذاب و تقطعت بهم الأسباب).
و لآخر آية ذكرها المؤلف هي قوله تعالى : (أمن يجيب المضطر إذا دعاه و يكشف السوء ) يعني لا أحد يجيب المضطر إذا دعاه و يكشف السوء إلا الله سبحانه و تعالى ، و هذا دليل على تفرده سبحانه و تعالى بذلك . و من استغاث بغير الله ، إن كان استغاثته لإعتقاده أن من يستغيث به قادر على التصرف في الكون فقد أشرك في الربوبية ، و قال بما لم يقله حتى المشركون الأوائل .
ذكر المؤلف بعد ذلك حديث عبادة الذي أخرجه الطبراني بسنده هذا الحديث أخرجه الطبراني و أحمد في مسنده و غيرهما ، لقد أخرجه الإمام أحمد قال حدثني أبي قال حدثني موسى بن داود عن ابن لهيعة و ابن لهيعة ضعيف في حفظه فقد اختلف فيه المحدثون على ثلاثة أقوال :
1- القول الأول : روايته ضعيفة مطلقاً .
2- القول الثاني : روايته ضعيفة إلا إن رواها العبادلة الثلاثة و هم :-
(1) عبد الله بن المبارك.
(2) و عبد الله بن يزيد المقرئ .
(3) و عبد الله بن وهب.
3- القول الثالث : أن روايته من قبيل الحديث الحسن .
و الصحيح من هذه ، أن أبن لهيعة لا تقبل روايته إلا إن كانت من رواية العبادلة الثلاثة عنه ، أما غير هذه الرواية فإنها ضعيفة ، لأن هؤلاء رووا عنه قبل الاختلاط ، فإن بن لهيعة لولى القضاء ، و ضاعت كتبه فاختلط ، فصارت روايته ضعيفة ، هذا الحديث من رواية موسى بن داود عنه فليست من رواية العبادلة الثلاثة ، و عليه فتكون هذه الرواية ضعيفة ، كان أن في الإسناد عند الإمام أحمد رجل مجهول يقول : ( حدثني رجل عن عبادة بن الصامت ) ، و جهالة هذا الرجل تفيد ضعف الحديث ، فإنه مجهول العين و الحال ، و المجهول روايته ضعيفة ، الحديث هذا في مسند الإمام أحمد ، أن عبد الله بن أبي بن سلول جاء إلى المسجد فاتكـأ – و كان أبو بكر يقرأ القرآن – فقال للصحابة : إن كل نبي كانت له آية فقولوا لمحمد عليه الصلاة و السلام قال قولوا له أن يحضر آية ، فبكى أبو بكر رضي الله عنه ثم قال : (قوموا بنا لرسول الله صلى الله عليه و سلم نستغيث به من هذا المنافق) ، فلما قالوا ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام قال : ( إنه لا يستغاث بي ، و إنما يستغاث بالله عز و جل) ، قلنا إن هذا الحديث ضعيف و يغني عن هذا الحديث قول النبي صلى الله عليه و سلم في الحديث الذي رواه النعمان بن البشير رشي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : ( الدعاء هو العبادة ) أخرجه أحمد و الترمذي ، و قال الترمذي حديث حسن صحيح ، و إسناده صحيح ،
من هذه الآيات و حديث النعمان بن البشير نستفيد أن الدعاء عبادة ، و إذا كان عبادة فإنه لا يجوز صرفها لغير الله تعالى .
أما من استغاث بغير الله فإذا أردنا أن نفصل حكم الإستغاثة فنقول : الإستغاثة :-
1- النوع الأول أن يستغث بالله تعالى : أن يطلب الإنسان من الله تعالى أن ينقذه من الشدة و الهلاك و هذا دأب الصالحين و سيما المؤمنين ، و عليه عمل الأنبياء و المرسلين صلوات ربي و سلامه عليهم فإنهم كانوا يستغيثون بالله تعالى عند الكربات . قال تعالى ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ).
2- النوع الثاني أن يستغيث بالإنسان الحي الحاضر القادر : يستغيث ، يطلب من إنسان حي قادر حاضر أن يغيثه و ينقذه من الهلاك ، يغيثه من أسد يغيثه من ظالم ، يغيثه من الغرق يغيثه من أي شدة . مثلاً إنسان لا يعرف السباحة ، فينادي شخص آخر فيقول : أغثني ، فيقوم هذا فينقذه من الغرق . أو شخص تعرض لسرقة أو ضرب أو أذى من آخر فيقول لشخص قوي أغثني ، و هذا جائز ، كما قال تعالى : ( فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه ) فهنا أثبت الله تعالى أن هذا استغاث بموسى و كانت هذه الإستغاثة ليست بشرك ، لأنه استغاث بحي حاضر قادر على إغاثته ، فإنه كان قويا عليه الصلاة و السلام ، و كان حاضراً ، فلم تكن في استغاثته مانع.
3- النوع الثالث أن يستغيث بالأموات أو الأحياء غير الحاضرين غير القادرين: و هذا من الشرك ، و هو الذي كان يفعله المشركون يستغيثون بغير الله تعالى يستغيثون بالأموات ، أو بالحي غير الحاضر ، إنسان مثلاً يغرق فيقول : يا بدوي أنقذني ، أو يقول : يا ابن عربي أنجدني ، أو يا مولانا فلان ساعدني ، هذه الإستغاثة شرك أكبر مخرج من الإسلام لأنها صرف عبادة لغير الله و العبادة لا تصرف إلا لله .
و معنى لا إله إلا الله : يعني لا نعبد ، لا نصرف العبادة إلا لله فمن خالف هذا المعنى لم يكن مؤمناً بهذه الكلمة . فإذا استغاث إنسان بغير الله ، استغاث بميت ، أو بشخص غير حاضر أو غير قادر ، فقد وقع في الشرك الأكبر .
نسأل الله أن يعصمنا و إياكم منه أن يثبتنا على الحق ، هذا هو مجمل هذا الباب ، و أصلى و أسلم على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين ،
avatar
الغريب
Admin

عدد المساهمات : 114
نقاط : 319
تاريخ التسجيل : 23/02/2012
العمر : 43
الموقع : الرياض

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mh1398.allgoo.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى